رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظة انكشاف تاريخية، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار وجودي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. فبين شعار "عودة أمريكا لقيادة العالم مع الحلفاء" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي جو بايدن، وشعار "أمريكا أولًا، لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" الذي رفعه الرئيس دونالد ترامب، علقت القارة الأوروبية في الفخ بين نموذجين أمريكيين متناقضين؛ أحدهما دفع نحو الاستنزاف طويل الأمد من خلال التصعيد في أوكرانيا، ما ترتب عليه الحرب الروسية الأوكرانية وقطع كل قنوات التواصل مع روسيا وتوقيع عقوبات على النفط والغاز الروسي، ما كان له آثار عكسية على الاقتصادات الأوروبية، والآخر يضغط بفك الارتباط وترك الحلفاء لمصيرهم، مع التهديد بالسيطرة على جرينلاند.

فمنذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية قبل أربع سنوات، انخرطت العواصم الأوروبية، تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، في استراتيجية دعم مفتوح لكييف سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. غير أن هذا الانخراط تمّ دون بناء رؤية أوروبية مستقلة لإدارة المخاطر، وغياب خطط بديلة للتعامل؛ إذ افترضت بروكسل وبرلين وباريس أن الالتزام الأمريكي طويل الأمد هو معطى ثابت في بنية النظام الدولي، متجاهلة الطبيعة الدورية والمتقلبة للسياسة الداخلية الأمريكية.

الخطأ لم يكن أخلاقيًا بقدر ما كان بنيويًا، والتحليل السياسي الواقعي يؤكد أن التحالفات تُبنى على تقاطع المصالح لا على الثقة الدائمة، وأنه لا وجود لحسن النوايا في العلاقات الدولية. فالقارة الأوروبية، التي استفادت لعقود من المظلة الأمنية الأمريكية والعلاقات عبر الأطلسي، لم تستثمر بالقدر الكافي في بناء قدرة ردع ذاتي مستقل، وهذا له أسبابه التي لم يتسع المجال لذكرها. وعندما قررت قطع قنوات الطاقة الروسية بشكل شبه كامل، تحوّل اقتصادها الصناعي إلى رهينة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية وانتهازية الولايات المتحدة، ما انعكس في تباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية وتراجع التنافسية الصناعية.

لقد تجسدت أزمة التبعية الأوروبية في صورتين: الأولى أمنية، حيث بقيت القدرات الدفاعية الأوروبية دون مستوى الطموح الاستراتيجي. والثانية اقتصادية، حيث ارتبطت سلاسل الإمداد والطاقة والقرار السياسي بالولايات المتحدة. ومع وضوح توجهات ترامب، الذي يطالب الأوروبيين بتحمّل أعباء أمنهم بشكل مستقل، تجد القارة نفسها أمام فراغ استراتيجي محتمل.

إن جوهر الأزمة ليس في بايدن أو ترامب كشخصين، بل في هشاشة الرهان الأوروبي على استقرار الخيار الأمريكي. فالديمقراطية الأمريكية، بطبيعتها التنافسية الحادة، تنتج تحولات جذرية في التوجهات الكبرى كل أربع سنوات. والاعتماد الأوروبي على إدارة بعينها بدلًا من بناء استراتيجية ذاتية طويلة المدى كشف عن خلل عميق في التفكير الاستراتيجي داخل مؤسسات الاتحاد.

اليوم، يتصاعد الحديث في بروكسل والعواصم الأوروبية عن السيادة الأوروبية بعد الارتباك الاستراتيجي بشأن جرينلاند، والمطالبة بضرورة تعزيز الصناعات الدفاعية المشتركة وبناء قوة ردع مستقلة داخل الإطار الأوروبي لمواجهة التحديات الأمنية العالمية، دون القطيعة مع واشنطن. غير أن الانتقال من الخطاب إلى الفعل يتطلب إعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي من علاقة تبعية إلى شراكة متوازنة.

ما أود قوله هنا إن أوروبا لم تسقط في فخ دعم أوكرانيا بقدر ما سقطت في فخ غياب البدائل. الراهن ليس سوى نتيجة تراكمات من التراخي والاطمئنان المفرط لثبات التحالف الأمريكي؛ فأوروبا اليوم تجد نفسها بين استنزاف وتهديد أمني طويل الأمد من الجانب الروسي، وبين عزلة وارتباك مع الجانب الأمريكي. لم يعد أمامها كثير من الخيارات: إما أن تتحول إلى قطب استراتيجي مستقل داخل النظام الدولي متعدد الأقطاب، أو تبقى رهينة لتقلبات البيت الأبيض مع تغير ساكنه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء