استشاري نفسي: إنكار حالة طفل ذوي الهمم قد يؤدي أحيانًا إلى إساءة المعاملة
قال الدكتور كريم درويش، استشاري الطب النفسي، إن الأب يشعر بمجموعة مشاعر متشابكة فور معرفته بأن لديه طفل من أصحاب الهمم، مشيرًا إلى أن المشاعر قد لا تختلف كثيرًا عن الأم، لكنها تتجلى بطريقة خاصة لدى الآباء، موضحًا أن مصطلح أصحاب الهمم يشمل ليس فقط ذوي الإعاقات الجسدية أو العقلية، بل أيضًا الأطفال المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم أو حتى جلطات في سن صغيرة، فالأب غالبًا يبدأ رحلته النفسية بمراحل إنكار وغضب تجاه هذه الحقيقة، كما أن العديد من الآباء يحاولون إنكار التشخيص الطبي لصالح صورة الطفل الطبيعي، حيث يبررون الحالات بأن هناك خطأ في التحاليل أو الملاحظات، أو يقللون من أهمية الإعاقات أمام سلوكيات الطفل الإيجابية، قائلين: “الطفل يركض ويلعب ويشارك في أنشطة عادية، لا يمكن أن يكون مصابًا بهذه المشكلة”، وهذا الإنكار قد يؤدي أحيانًا إلى إساءة المعاملة أو فرض توقعات غير واقعية على الطفل.
التحديات النفسية للأب
وأضاف درويش، خلال لقاء على فضائية الحياة أن مرحلة الغضب قد تظهر أحيانًا على شكل انفعال موجه نحو الطفل نفسه، أو على شكل رفض وجوده أو التعامل معه وكأنه طبيعي تمامًا، وهو ما قد يؤدي إلى شعور الطفل بعدم القبول والتقدير، وهذا السلوك النفسي، الذي كان يُعرف في الدراسات الأجنبية باسم الطفل غير المرغوب فيه، أصبح اليوم أقل حدة، لكنه ما زال يظهر في صور الرفض النفسي والسلوكي ضمن العلاقات الأسرية.
وأشار إلى أن الأب قد يبرر رفضه أحيانًا من خلال المقارنات بين الطفل وأشقائه، ما يخلق فروق معاملة واضحة، مثل التركيز على الطفل السليم تعليمياً أو سلوكيًا، بينما يعامل الطفل صاحب الهمم بطريقة تحفظ صورته في ذهن الأب دون تلبية احتياجاته الفعلية، مضيفًا: “هذا الفارق قد يولد مشاعر ألم وحزن عميقة لدى الطفل ويؤثر على تطوره النفسي والاجتماعي إذا لم يُعالج بطريقة صحيحة”.
الحب المفرط وتأثيره على التوقعات
ولفت الدكتور كريم درويش، إلى أن حب الأمهات غالبًا يكون أكثر قوة وعاطفة، لكنه قد يتحول في بعض الأحيان إلى رفض غير مباشر، نتيجة الخوف على مستقبل الطفل ورغبتهم في أن يكون طبيعيًا قدر الإمكان، وهذا الحب الممزوج بالقلق قد يؤدي إلى فرض قيود صارمة على الطفل، وتصحيح سلوكه بشكل مبالغ فيه، حتى لو كان التصرف طبيعيًا، لأنه يذكّر الأهل بالإعاقة أو المرض.
وأكد درويش أن هذه الحالة ليست شائعة بين كل الآباء والأمهات، لكنها تظهر لدى بعضهم بشكل واضح، خاصة إذا لم يتلقوا الدعم النفسي والتوجيه السليم، وأضاف: “الألم النفسي الذي يشعر به الأب أو الأم عند مواجهة هذه الحقيقة قد يتحول إلى سلوكيات رفضية أو إنكار مستمر إذا لم يتم التعامل معه بشكل واعٍ ومتوازن”.
مراحل التعامل النفسي مع الطفل
وأوضح استشاري الطب النفسي، أن التقبل يبدأ بالاعتراف بالواقع دون إنكار أو غضب، ثم يتطور إلى مرحلة التكيف النفسي والاجتماعي، حيث يتعلم الأب كيف يدعم الطفل ويحقق له أفضل بيئة ممكنة للنمو والتعلم. وأضاف أن الدعم النفسي للأهل يلعب دورًا أساسيًا في تقليل التوتر وتحويل المشاعر السلبية إلى قوة إيجابية تساعد الطفل على التقدم وتحقيق إمكاناته.
وتابع أن الأب بحاجة لدعم نفسي متخصص للتعامل مع الصدمة الأولية المرتبطة بوجود طفل من أصحاب الهمم، موضحًا أن المشاعر السلبية كالإنكار والغضب تحتاج إلى إشراف متخصص لتجنب تأثيرها على الطفل والأسرة. وأضاف أن البرامج التوعوية للأهل تساعد على فهم طبيعة الأطفال من أصحاب الهمم، وكيفية التعامل معهم بشكل واقعي ومثمر، بعيدًا عن المقارنات المدمرة أو فرض توقعات غير مناسبة، مشيرًا إلى أن الدعم النفسي يساهم في تعزيز العلاقة بين الأب وطفله، ويساعد على تحويل الألم والخوف إلى قوة دافعة للعطاء، ويجعل الأسرة أكثر قدرة على التكيف والعيش بشكل صحي ومستقر، بما يضمن تحقيق أفضل نمو نفسي واجتماعي للطفل.
أهمية التقبل والوعي الأسري
وشدد على أن التقبل هو المفتاح لتوفير بيئة داعمة للأطفال من أصحاب الهمم، حيث يبدأ الأب بقبول قدرات الطفل الخاصة، والعمل على تطويرها بدلاً من محاولة فرض نموذج مثالي مستحيل، مؤكدًا أن الوعي الأسري يحمي الطفل من الصدمات النفسية، ويضمن أن يشعر بالأمان والمحبة داخل بيته، بعيدًا عن أي رفض أو إنكار.
واختتم استشاري الطب النفسي، بالتأكيد أن الجمع بين الحب والرعاية والتوجيه السليم يخلق نموذج أسري متوازن، يتيح للطفل النمو بشكل طبيعي، ويعزز ثقته بنفسه وقدرته على مواجهة تحديات الحياة، وهذا التوازن يحمي الأسرة من الانقسامات النفسية ويقلل من آثار الغضب والرفض، ويجعل تجربة الأبوة أكثر إيجابية ونجاحًا.

