أستاذ أدب فارسي: الإيرانيون يحافظون على أصالتهم رغم الضغوط الخارجية|فيديو
قال الدكتور أحمد لاشين أستاذ الأدب الفارسي، أن المجتمع الإيراني تمكن من التوفيق بين حضارته القديمة وعبادة النار الزرادشتية، وبين الإسلام الذي اعتنقوه لاحقًا، موضحًا أن عبادة النار عند الفرس القدامى لم تكن عبادة حرفية للنار بل للضوء والنور، حيث اعتبرت النار مظهرًا للإله الكامل ونقيض الظلام، وهو ما أتاح قاعدة فلسفية وثقافية راسخة استوعبت الانتماء الديني الجديد دون فقد الهوية، مشيرًا إلى أن الإيرانيين لم يحافظوا على لغتهم الفارسية فحسب، بل حافظوا على هويتهم القومية رغم الغزوات والتحديات التي تعرضوا لها، بدءًا من غزو الإسكندر المقدوني وصولًا إلى الفتح العربي، حيث شهدت الفارسية انهيارًا جزئيًا في بعض المراحل، لكنها أعيد إحياؤها باستمرار، مما أتاح الحفاظ على عناصر الثقافة الفارسية الأساسية ضمن إطار التغيرات الحضارية.
اللغة الفارسية بين الانهيار والإحياء
وأضاف لاشين، خلال لقاء على فضائية الحياة، أن اللغة الفارسية القديمة تعرضت لضغوط كبيرة خلال غزو الإسكندر المقدوني، إذ تم استبدال الخط المسماري المستخدم في الكتابة بالخط البهلوي، مما شكل مرحلة من الانكسار الثقافي، قبل أن يعاد إحياء اللغة تدريجيًا في مراحل لاحقة، خصوصًا بعد الفتح العربي، حيث بدأت الكتابة بالخط العربي مع الحفاظ على الأسس اللغوية الفارسية، لافتًا إلى أن هذا الإحياء ساهم في استمرار الأدب الفارسي، حيث أن أول شاعر فارسي كتب بالخط العربي ظهر تقريبًا في القرن الثاني الهجري، ما شكل نقطة فاصلة سمحت للغة الفارسية بالنمو والتطور في أحضان الثقافة العربية والإسلامية، مع الحفاظ على هويتها الفارسية المميزة في نفس الوقت.
وأشار إلى أن اللغة الفارسية تحتفظ ببعض التراكيب الصوتية والنحوية التي تختلف عن العربية، مثل النطق المختلف لبعض الحروف مثل الحاء، والتراكيب الخاصة بالأفعال التي لا تتطابق مع الاشتقاق العربي، ما يجعل دراسة الفارسية صعبة على العرب رغم استخدام نفس الحروف العربية في الكتابة، حيث أن الفارسية لغة تركيبية تعتمد على الجمع بين المترادفات والتراكيب المختلفة لإيصال معنى الفعل، مثل كلمة "كاركردن" التي تعني "يعمل"، وهي مشتقة من الأصل الفارسي، لكن كتابتها بالخط العربي أضافت طبقة من التعقيد اللغوي والثقافي، مما يعكس قدرة الإيرانيين على المزج بين هويتهم ولغتهم وبين التقاليد الإسلامية المكتسبة.
الثقافة الفارسية والإسلام
ولفت إلى أن الإيرانيين تعاملوا مع الإسلام وفق طبيعتهم الفارسية، ما سمح لهم بالمحافظة على هويتهم الثقافية رغم التبني الديني الجديد، مؤكدًا أن هذا المزج بين اللغة، الثقافة، والدين أتاح لإيران أن تكون دولة محافظة على حضارتها التاريخية ومتميزة في الفنون، الأدب، والفكر الإسلامي، وهذا التوازن جعل المجتمع الإيراني متماسكًا ومثقفًا، قادرًا على التكيف مع التغيرات التاريخية دون فقدان هويته، وهو ما يميزه عن كثير من المجتمعات في الإقليم، ويبرز قوة التماسك الثقافي والاجتماعي التي يمتلكها الشعب الإيراني عبر العصور.
أهمية الخط العربي في تطوير الأدب الفارسي
واختتم أستاذ الأدب الفارسي، بالتأكيد على أن اعتماد الخط العربي ساعد في نقل الأدب الفارسي إلى نطاق واسع من المعرفة والثقافة الإسلامية، حيث تم دمج الكثير من المصطلحات العربية داخل النصوص الفارسية، مع الاحتفاظ بالتركيب الفارسي المعقد، ما جعل اللغة تحمل هوية مزدوجة: عربية في الكتابة وفارسية في المعنى.
وأكد أن هذا الدمج اللغوي ساعد على استمرار الإبداع الأدبي الإيراني في الشعر والنثر والفلسفة، وجعل الأدب الفارسي من أبرز الأدبيات في العالم الإسلامي، مع الحفاظ على أصالة الهوية الفارسية، وهو إنجاز ثقافي كبير يعكس قدرة المجتمع الإيراني على التكيف والبقاء قويًا ومتماسكًا رغم جميع الصدمات التاريخية.

