رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ الرابع من فبراير، والعالم يحتفي باليوم الدولي للأخوّة الإنسانية، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة تخليدًا لتوقيع وثيقة "الأخوّة الإنسانية"، التي وقّعها قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الراحل، وفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.


وتُعدّ هذه الوثيقة إعلانًا إنسانيًا رفيع المقام، يهدف إلى ترسيخ قيم التعاون والسلام والتعايش بين البشر، على اختلاف ألوانهم ومعتقداتهم وأوطانهم ولغاتهم، مؤكدةً أن التنوع لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع، بل مدخلًا للتعارف والتكامل.

 

ومع أن هذه الوثيقة لم تبتكر فكرة الأخوّة الإنسانية القائمة على وحدة الأصل البشري، وما يترتب عليها من تعاون وتعاضد بين الناس، فإنها أعادت إحياءها في الوعي المعاصر. فهذه الفكرة ضاربة الجذور في التراث الإنساني، وقد أكدها القرآن الكريم في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (سورة الحجرات، آية: 13). غير أن أهمية الوثيقة تتجلى في كونها أعادت التذكير بهذه الحقيقة الجامعة، وألقت حجر سلام في بحار الحروب المتلاطمة بين إخوة الإنسانية، وما خلّفته من موجات لجوء ونزوح مأساوية، حتى أصبح واحد من كل مائة إنسان في العالم إمّا لاجئًا فقد بيته ووطنه، أو نازحًا فقد موطن إقامته ومنبع ذكرياته؛ وكل ذلك بفعل إنسانٍ مثله، لا بقسوة الطبيعة أو تقلباتها. 

 

لقد شهد العقد ونصف العقد الأخير من حاضرنا المعاصر صورًا لإبادة بشرٍ على أيدي بشرٍ آخرين، على نحوٍ لم يعرفه الجيل الحالي إلا عبر وثائقيات الحروب العالمية أو في صفحات الكتب. غير أنّ تلك المشاهد لم تعد سردًا تاريخيًّا بعيدًا، بل واقعًا حيًّا يُبَثّ أمام الأعين، بما يحمله من قسوةٍ وصدماتٍ هزّت الضمير الإنساني وأعادت طرح أسئلة كبرى حول معنى الحضارة وحدود التقدم.

وقد تزامنت هذه الإبادات مع خيبة أملٍ قيمية لا تقل وطأةً عن القتل ذاته؛ إذ كشفت ازدواجية المعايير التي شهدها هذا الجيل عن تصدّعٍ عميق في المنظومة الأخلاقية التي طالما تغنّت بها دولٌ دعمت تلك المآسي أو تواطأت مع مرتكبيها. وكان من شأن هذا التناقض زعزعة الثقة في الشعارات المعلنة، وسقوط الهالة عن خطابٍ ادّعى حماية الإنسان وكرامته. 


غير أنّ هذه الصدمة، في وجهٍ آخر، أعادت لهذا الجيل ثقته بقيمه الأصيلة، وأيقظت وعيه بامتلاكه موروثًا روحيًا قيميًا حضاريًا عريقًا، يجعله، بفطرته السليمة، يحترم إنسانية الإنسان وحقه في الحياة، دون نظرٍ إلى عرقه أو دينه أو لونه.


إن هذه النزعة الروحية والقيمية المتجذّرة لدى الإنسان الشرقي، مسلمًا كان أو مسيحيًا، إلا من انحرفت فطرته، لم تنشأ من فراغ، بل تشكّلت عبر سياقات تاريخية وجغرافية وثقافية متداخلة. فالموقع الجغرافي والاستراتيجي للمنطقة العربية جعلها مهدًا للحضارات، وملتقىً للثقافات، وجسرًا حضاريًا بين الشرق والغرب، وحاضنةً لمعالم التاريخ الإنساني ماديًا وروحيًا. وقد جعلها ذلك مقصدًا للهجرات والقوافل التجارية، وساحةً للتفاعل بين شعوبٍ متعددة المشارب، تزاوجت ثقافاتها أحيانًا، واندمجت أحيانًا أخرى، فترسّخ بذلك مفهوم التعددية الثقافية في الوعي الجمعي، وصار احترام الآخر ليس مبدأً دينيًا فحسب، بل ممارسةً تاريخيةً حيّة.


كما أن الحروب والأطماع التي تعرّضت لها المنطقة، بحكم موقعها وثرواتها، جعلتها تعيش في مراحل طويلة من تاريخها صراع بقاءٍ بين قوى وعقائد مختلفة، كما حدث في الحروب الصليبية، ثم في الغزو المغولي الشرس. غير أن المنطقة استطاعت، على المدى البعيد، أن تمتصّ هذه الصدمات، وأن تصهر آثارها في بنيتها الحضارية، حتى إن الغزاة أنفسهم تأثروا بهويتها وثقافتها العربية والإسلامية، وانخرطوا فيها وأسهموا في تشكيلها.


وهكذا تشكّلت المنطقة العربية والإسلامية فضاءً تعدديًا رحبًا، تتجاور فيه الجنسيات والمعتقدات والألوان، وتنصهر في بوتقة واحدة أشبه بفسيفساء حضارية متكاملة. غير أن هذه الفسيفساء تحتاج اليوم إلى وعيٍ جديدٍ بثقلها التاريخي وقيمتها الحضارية، وإلى ثقةٍ راسخةٍ في الذات تُورَّث للأجيال القادمة. كما تحتاج إلى إدراك الفرق بين "التعدد" بوصفه ثراءً طبيعيًا عاشته المنطقة قرونًا طويلة، و"الاختلاف" حين يتحوّل إلى صراعٍ مُفتعل غذّته سياسات الاحتلال والهيمنة، التي أدركت أن تثبيت نفوذها والسيطرة على مقدّرات المنطقة يمرّ عبر تأجيج الخلافات بين مكوّناتها، وضرب روح الأخوّة الإنسانية بينها.


حفظ الله بلادنا وشعوبنا من كل سوء، وألهمها وعيًا يُجدّد وحدتها، ويصون تنوّعها، ويُعلي من شأن إنسانها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء