ذكرى وفاة آمال الزهاوي.. شاعرة البنفسج وصوت العراق الجريح
تحل اليوم 13 فبراير ذكرى رحيل الشاعرة العراقية آمال الزهاوي، أحد أبرز أصوات القصيدة الحديثة في العراق، والتي شكلت امتدادًا مهمًا لجيل الستينيات الشعري، ورسخت حضورًا نسويًا لافتًا بعد تجربة نازك الملائكة، وبرحيلها في 11 فبراير 2015، خسر المشهد الثقافي العراقي اسمًا ظلّ وفيًا لقصيدته، منحازًا لوطنه، ومتمسكًا بلغة تمزج بين الرمز والأسطورة والوجع الإنساني.
جذور عريقة
ولدت آمال عبد القادر الزهاوي في بغداد عام 1946، في بيتٍ عرف بالعلم والأدب والسياسة، فهي تنتمي إلى عائلة الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي، أحد رواد النهضة الفكرية في العراق.
نشأت في بيئة ثقافية جعلت الكتاب رفيقها الأول، ودفعتها إلى دراسة اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة بغداد، حيث صقلت أدواتها المعرفية والنقدية، قبل أن تمارس العمل في الصحافة والتدريس، لتبقى قريبة من الحراك الثقافي والفكري في بلدها.
لم تكن نشأتها مجرد خلفية اجتماعية، بل كانت جزءًا من تكوينها الشعري؛ إذ ورثت من عائلتها حسّ التمرد على السائد، والانشغال بقضايا المجتمع، والقدرة على تحويل التجربة الخاصة إلى نصّ إنساني عام.
مشروع شعري
منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدأت الزهاوي ترسّخ اسمها في المشهد الشعري العراقي عبر مجموعات متتابعة عكست نضجًا مبكرًا ووعيًا فنيًا واضحًا.
ففي ديوانها الأول «الفدائي والوحش» (1969) أعلنت انحيازها للقضايا الوطنية، ثم واصلت في «الطارقون بحار الموت» و«دائرة الظلمة» و«إخوة يوسف» وغيرها من الأعمال التي امتدت حتى عام 2000 بديوان «شتات».
تراكمت تجربتها عبر سبع مجموعات شعرية شكّلت مسارًا متدرجًا من الحلم الثوري إلى التأمل الوجودي، ومن الخطاب الوطني المباشر إلى اللغة الرمزية الكثيفة.
وفي أعمالها المتأخرة، بدت أكثر انشغالًا بمحنة العراق، مستحضرة رموزًا سومرية وأسطورية في ديوان «لب الألباب»، لتجعل من القصيدة فضاءً مفتوحًا على التاريخ والميثولوجيا والواقع المعاصر في آنٍ واحد.
شعر الأنوثة الواعية
تميز شعر آمال الزهاوي بما يمكن وصفه بـ«الأنوثة الواعية»؛ إذ لم تكن الكتابة لديها مجرد تعبير عاطفي، بل كانت موقفًا فكريًا وجماليًا.
جسدت بغداد في قصائدها مدينةً نابضة بالحياة، ثم مدينةً مثقلة بالحروب والتحولات، فانعكس ذلك في صور شعرية تجمع بين الرهافة والحزن العميق.
اعتمدت على الرمز والقناع والأسطورة، واستثمرت الموروث الديني والشعبي لتصوغ لغة شعرية تحمل قدرًا من الغموض المقصود، دون أن تفقد قدرتها على التأثير، وكانت ترى أن القصيدة ليست ترفًا جماليًا، بل وسيلة لفهم العالم ومقاومة قسوته، لذلك حضرت في نصوصها قضايا المرأة والحرية والمنفى والخذلان الوطني.
حضور ثقافي
لم تقتصر إسهامات الزهاوي على الشعر، بل كتبت القصة القصيرة، وأسهمت في النشاط الثقافي عبر الندوات والمهرجانات، وكان لها حضور بارز في مهرجان المربد وغيره من الفعاليات الأدبية.
عرفت بجرأتها في التعبير عن مواقفها، وهو ما جعلها تواجه صعوبات عدة، دفعتها إلى مغادرة العراق لفترات، قبل أن تعود إليه في سنواتها الأخيرة، ورغم ما تعرضت له من إهمال في بعض مراحل حياتها، بقيت مخلصة لصوتها الشعري، رافضة أن تساوم على قناعاتها أو تنسحب من المشهد الثقافي.
الرحيل
في فجر 11 فبراير 2015، أُعلن عن وفاة آمال الزهاوي بعد صراع مع المرض، لتنتهي رحلة امتدت قرابة سبعة عقود، حفلت بالشعر والمواقف والتجربة الإنسانية العميقة.