ردا على يوسف زيدان.. أستاذة بجامعة الأزهر: أمية النبي معجزة إلهية| خاص
عقبت الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف، على ما جاء في منشور الكاتب يوسف زيدان، والذي تحدث فيه عن واقعة عبد الله بن أبي السرح، وقصة كتابته للوحي، وارتداده عن الإسلام، وشفاعة عثمان بن عفان له لدى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد فتح مكة، وما صاحب ذلك من جدل حول معنى وصف النبي بـ«الأمي».
وقالت إن وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ«الأمي» يحمل دلالات عميقة ومعاني متعددة، موضحة أن هذه الصفة وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (الجمعة: 2).

دلالات وصف النبي بالأمي في القرآن الكريم
وأوضحت الدكتورة فتحية الحنفي، في تصريح خاص لموقع "إيجبتك"، أن وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأمي، قد يحمل معنى أنه لم يكن يقرأ الكتب ولم يكتب بيده، وهو ما أكده قوله تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ..." (الأعراف: 157).
وأكدت أن هذه الصفة تعد معجزة إلهية تثبت أن القرآن الكريم وحي من الله سبحانه وتعالى، وليس مأخوذًا من كتب السابقين أو من تأليف بشري.
ولفتت إلى أن وصف «الأمي» قد يرتبط أيضًا بانتماء النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أم القرى "مكة المكرمة"، أو إلى الأمة العربية التي كان الغالب عليها عدم القراءة والكتابة آنذاك، موضحة أن قوله تعالى: "رَسُولاً مِنْهُمْ" يدل على أن الله أرسل رسوله من جنس قومه ليكون أقرب إلى قلوبهم وأفهم لأحوالهم.
وأضافت أن بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- من العرب الأميين كانت حكمة إلهية؛ حتى يكون أكثر قدرة على مخاطبة قومه والتأثير فيهم.
أسباب وصف النبي بالأمي
وأفصحت أستاذ الفقه المقارن أن وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأمي يرجع إلى عدة أسباب رئيسية، من بينها أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، وهو ما أكده قوله تعالى: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (العنكبوت: 48).
وأشارت إلى أن عدم معرفته بالقراءة والكتابة كان دليلًا قاطعًا على صدق نبوته، وحجة قوية على المشركين، حيث جاء بكتاب معجز رغم أميته، منوهة أن هذا الوصف ورد في التوراة والإنجيل، ضمن البشارات السابقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث سمي بـ«النبي الأمي» ليكون مطابقًا للعلامات المذكورة في الكتب السماوية السابقة.
وأكدت أن الأمية في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- ليست صفة نقص أو ضعف، بل هي دليل على صدق رسالته، ومعجزة باهرة تؤكد أن ما جاء به وحي من عند الله سبحانه وتعالى.
عبد الله بن أبي السرح وبدايات إسلامه
وتطرقت الدكتورة فتحية الحنفي، إلى سيرة الصحابي عبد الله بن سعد بن أبي السرح، موضحة أنه ولد في مكة المكرمة قبل الهجرة بـ23 عامًا، وأسلم قبل صلح الحديبية، وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة المنورة.
وأشارت إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وثق به بسبب صلاحه، فاختاره ليكون من كتبة الوحي.
ردة عبد الله بن أبي السرح وعودته إلى مكة
وأوضحت أن عبد الله بن أبي السرح تعرض لفتنة الشيطان، فارتد عن الإسلام، وعاد إلى الكفر، وهرب إلى مكة المكرمة، مستشهدة بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، بأنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ألحقه الشيطان بالكفار.
وأضافت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتله يوم فتح مكة بسبب ردته، فاستجار بعثمان بن عفان رضي الله عنه.
هل توسط عثمان بن عفان في شفاعة عبد الله بن أبي السرح؟
وذكرت أستاذ الفقه المقارن، أن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) شفع لعبد الله بن أبي السرح عند النبي صلى الله عليه وسلم، بعدما أعلن توبته الصادقة، فاصطحبه إلى رسول الله، فقبل توبته وبايعه على الإسلام في السنة الثامنة للهجرة.
وبينت أن عبد الله عاد بعدها إلى الإسلام وحسن إسلامه، وكان يفر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حياءً وخجلًا مما بدر منه سابقًا.
شبهات تحريف القرآن
وتناولت الحنفي ما يردده بعض المشككين من روايات غير صحيحة السند تزعم أن عبد الله بن أبي السرح كان يحرف القرآن الكريم، مشيرة إلى ما ورد في بعض الروايات من أنه كتب "العليم الحكيم" بدلًا من "السميع العليم"، فظن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقر تغييره.
ونوهت أن عبد الله أساء فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان المقصود أن جميع هذه الأسماء من أسماء الله الحسنى، وليس الإقرار بتحريف النص القرآني.
وشددت على أن هذه الروايات لا تصح من ناحية السند، ولا تستقيم مع الوقائع التاريخية، مستدلة بما حدث يوم فتح مكة عام 8 هجرية، حين أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمان العام لأهل مكة، بقوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن"، مؤكدة أن هذا الأمان كان جزءًا من سياسة النبي في دخول مكة دون قتال، وتطييب نفوس أهلها.
وكشفت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استثنى أربعة أشخاص من هذا الأمان لشدة جرائمهم، وهم: عبد العزى بن خطل، ومقيص بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح، وأم سارة، مشددة على أن هذا الاستثناء لم يمنع من قبول توبة من تاب منهم وأخلص لله.
وتابعت أن القاعدة الفقهية تقرر أن المرتد لا يقتل مباشرة، بل يستتاب، فإن تاب وعاد إلى الإسلام وحسن إسلامه صار معصوم الدم، مضيفة أن عبد الله بن أبي السرح قد استوفى هذا الشرط، حيث أعلن توبته الصادقة، فعفا عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن لمس صدق رجوعه إلى الله.
إنجازات عبد الله بن أبي السرح بعد توبته
وأكملت أن عبد الله بن أبي السرح، أصبح بعد توبته من كبار قادة المسلمين، حيث قاد الأسطول الإسلامي لأول مرة، وحقق انتصارًا مهمًا على الروم في موقعة ذات الصواري بفضل حنكته العسكرية، كما قاد فتوحات تونس، وشارك في فتح بلاد النوبة، وكان له دور بارز في نشر الإسلام.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن عبد الله بن أبي السرح يمثل نموذجًا حيًا لمن أخطأ ثم عاد إلى الله توبة نصوحًا، فصار من عظماء قادة الإسلام، مبينة أنه عاش حياة مليئة بالجهاد والعمل لنصرة الدين، وتوفي وهو يؤدي الصلاة، داعية بالرحمة لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جميعًا.