«الأوقاف»: والدا النبي من أهل الفترة.. ونجاتهما أمر قطعي لا جدال فيه
قالت وزارة الأوقاف، إن جمهور علماء أهل السنة قد استقر رأيهم على القول بنجاة والدي النبي صلى الله عليه وسلم، باعتبارهما من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة رسول.
أدبٍ شرعي يوجب تعظيم الجناب النبوي
وأضافت الوزارة أن تناول هذه المسألة لا يقتصر على بحث تاريخي أو خلاف علمي، بل يرتبط بأدبٍ شرعي يوجب تعظيم الجناب النبوي وتنزيه أصوله الشريفة عما لا يليق، بحسب القواعد الأصولية التي تحكم فهم النصوص وتجمع بين الأدلة.
ولفتت إلى أن من أبرز ما استند إليه العلماء في تقرير نجاة والدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهما توفيا قبل البعثة النبوية، ولم تبلغهما رسالة، وقد قرر أهل السنة أن من مات ولم تصله الدعوة فهو داخل في حكم أهل الفترة.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وبقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]، وغيرها من النصوص الدالة على امتناع المؤاخذة قبل قيام الحجة.
وأوضحت الوزارة أن هذا الأصل القرآني القطعي لا يعارض بخبر آحاد ظني الدلالة، مثل حديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» [مسلم: 203]، إذ القاعدة أن القطعي لا يترك للظني عند التعارض.
دلالة لفظ «الأب» في لسان العرب
وشرحت وزارة الأوقاف، أن لفظ «الأب» في العربية قد يطلق ويراد به العم، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا۟ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ [البقرة: 133]، مع أن إسماعيل عم ليعقوب عليهما السلام.
وتابعت: وبناءً على ذلك، احتمل بعض أهل العلم أن يكون المقصود في بعض الروايات غير الوالد المباشر، وهو ما يمنع الجزم بدلالة واحدة دون نظرٍ في أساليب اللغة واستعمالاتها.
واستشهدت بآيات متعددة تؤكد أن العرب قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأتهم نذير، منها قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [يس: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِیرࣲ﴾ [سبأ: 44]، منوهة أن هذه النصوص تؤكد وصف تلك المرحلة بالفترة التي لم تقم فيها الحجة برسالة جديدة.
طهارة النسب الشريف
وأردفت الوزارة أن بعض العلماء استأنسوا بقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِی یَرَىٰكَ حِینَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِی ٱلسَّٰجِدِینَ﴾ [الشعراء: 218-219]، وبالحديث: «لَم أَزَل أُنقَلُ مِن أَصلَابِ الطَّاهِرِينَ إلى أَرحامِ الطَّاهِرَاتِ»، مؤكدين أن انتقاله -صلى الله عليه وسلم- في أصلاب طاهرة يدل على سلامة آبائه من الشرك، خاصة مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسࣱ﴾ [التوبة: 28].
وتطرقت الوزارة إلى ما ورد في شأن امتحان أهل الفترة يوم القيامة، مستشهدة بحديث: «يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...» [مسند أبي يعلى: 4224]، وما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولًا﴾، مبينًا أن طائفة من أهل العلم قبلت هذه الأحاديث لتعدد طرقها.
كما نقلت رد العلماء على شبهة أن الآخرة دار جزاء لا تكليف فيها، مستدلين بما ثبت من تكاليف تقع في عرصات القيامة قبل دخول الجنة أو النار، كقوله تعالى: ﴿یَوۡمَ یُكۡشَفُ عَن سَاقࣲ وَیُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ﴾ [القلم: 42]، وما جاء في أحاديث المرور على الصراط.
رضا النبي من تمام عطية ربه
واستطردت الأوقاف قائلة: ومن الأدلة التي أوردها العلماء ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوۡفَ یُعۡطِیكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰ﴾ [الضحى: 5]، حيث نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن من تمام رضاه -صلى الله عليه وسلم- ألا يدخل أحد من أهل بيته النار، وهو معنى يستأنس به في هذا الباب.
واختتمت حديثها بالتشديد على أن الخوض في هذه المسألة بغير علم أو إطلاق الألفاظ التي تمس والدي النبي -صلى الله عليه وسلم- يعد إساءة ظاهرة لمقامه الشريف، مستدلة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ»، مؤكدة أن مراعاة مشاعر الأحياء ثابتة شرعًا، فكيف إذا كان الأمر متعلقًا بسيد الخلق.
ودعت إلى لزوم الأدب، وترك ما لا يترتب عليه عمل، والانشغال بما ينفع الأمة ويجمع كلمتها، مع تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكل ما يتصل به، صيانة للقلوب من الوقوع في ما لا يليق بمقامه العظيم.