وزيرة العدل الأمريكية تدخل قفص الاتهام بسبب إبستين.. ما القصة؟| تقرير
تتوسط وزيرة العدل الأميركية "بام بوندي" اليوم دائرة نارية من الجدل، بين من يعتبرها متهمة بالتقصير والتستر على ملفات المجرم الجنسي المدان جيفري إبستين، ومن يراها ضحية لنظام قضائي معقد وملفات ضخمة تفوق السيطرة الفردية.
جلسة الاستماع أمام اللجنة القضائية بمجلس النواب الأمريكي كشفت هذه المفارقة بوضوح، إذ تواجه بوندي انتقادات حادة حول شفافيتها وحماية الضحايا، في حين تؤكد أنها كرست حياتها المهنية للدفاع عنهم.
هذا الصراع يطرح سؤالًا محوريًا: هل بوندي مسؤولة عن إخفاقات وزارة العدل أم ضحية لتشابك ملفات إبستين وتعقيدات السياسة الأمريكية؟.
مواجهة صاخبة
فلم تكن جلسة الاستماع أمس أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي، مجرد إجراء رقابي اعتيادي، فقد تحولت إلى مواجهة سياسية صاخبة، وضعت وزيرة العدل "بام بوندي" في موقع الدفاع طوال ساعات طويلة.
ففي جلسة خُصصت لمناقشة "الرقابة على وزارة العدل"، انفجرت الأسئلة دفعة واحدة حول كيفية تعامل الوزارة مع ملفات جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، وسط اتهامات ثقيلة بالتستر والانحياز السياسي.
الديمقراطيون دخلوا الجلسة وهم يحملون ملفًا مثقلًا بالاعتراضات، النائبتان براميلا جايابال وجيمي راسكين قادتا الهجوم، مستندتين إلى قانون أُقر مؤخرًا يُلزم وزارة العدل بنشر جميع الوثائق المتعلقة بإبستين، والتي تُقدّر بنحو ستة ملايين صفحة، مع السماح بتنقيحات محدودة فقط لحماية الضحايا. غير أن ما حدث، بحسب منتقدي الوزارة، جاء على النقيض من روح القانون.
اتهام لوزارة العدل

راسكين اتهم الوزارة صراحة بحجب أسماء معتدين مزعومين ومتواطئين، بينما أخفقت في إخفاء بيانات عدد من الضحايا. وقال بنبرة حاسمة إن الوزارة "حمت من يفترض مساءلتهم، وكشفت من يفترض حمايتهم"، معتبرًا أن هذا التصرف يعكس تجاهلًا مباشرًا لتوجيهات الكونغرس. وأضاف أن بعض الضحايا أعلنوا هوياتهم بأنفسهم، لكن كثيرين ظلوا صامتين، ومع ذلك نُشرت أسماؤهم وصورهم ضمن آلاف الصفحات التي أُفرج عنها.
في المقابل، اختارت بوندي المواجهة لا التراجع. وعندما طالبتها جايابال بأن تلتفت إلى الناجيات الجالسات خلفها وتقدم لهن اعتذارًا، رفضت الطلب ووصفت الخطوة بأنها "محاولة استعراضية". وأكدت أنها لن تشارك في ما اعتبرته توظيفًا عاطفيًا للجلسة.
ومع ذلك، شددت في بيانها الافتتاحي على أنها كرست حياتها المهنية للدفاع عن الضحايا، معربة عن أسفها العميق لما تعرضت له أي ضحية، ومستخدمة توصيفًا حادًا بحق إبستين، الذي وصفته بـ"الوحش".
التعامل مع الناجيات كان فشلا

في القاعة، لم تكن القضية مجرد نقاش قانوني. جلست الناجيات وعائلاتهن في المقاعد الخلفية، ومن بينهن تيريزا هيلم، وجيس مايكلز، ولارا بلوم ماكجي، إضافة إلى عائلة الراحلة فيرجينيا جوفري، هؤلاء عبّروا مرارًا عن استيائهم من أداء الحكومة الفيدرالية في ملاحقة إبستين وشبكة معارفهن سكاي روبرتس، شقيق جوفري، وجّه انتقادًا مباشرًا لبوندي، معتبرًا أن تعامل الإدارة مع الناجيات كان "فشلًا بكل المقاييس"، أما أماندا روبرتس، فدعتها إلى النظر في أعين الحاضرين وتذكّر الثمن الإنساني الذي دفعته فيرجينيا جوفري.
جوهر الخلاف يتمحور حول قانون "شفافية ملفات إبستين" الذي أُقر في نوفمبر 2025 بدعم من الحزبين، القانون ينص بوضوح على نشر كامل الوثائق، بصيغة قابلة للبحث، مع حماية محدودة للضحايا، إلا أن وزارة العدل أفرجت عن نحو ثلاثة ملايين وثيقة فقط، بينما تؤكد بوندي أن النصف الآخر مكرر. الديمقراطيون رفضوا هذا التبرير، مؤكدين أن بين الوثائق غير المنشورة مذكرات وإفادات مهمة للضحايا.
عملية تستر
الاتهامات لم تتوقف عند حدود الإهمال، بل وصلت إلى الحديث عن "عملية تستر واسعة النطاق". راسكين قال لبوندي إن إرثها سيكون مرتبطًا بالانحياز للجناة ما لم تغيّر المسار سريعًا.
الجلسة شهدت أيضًا تبادلًا لاتهامات سياسية حادة. بوندي وصفت جايابال بأنها تمارس استعراضًا سياسيًا، وهاجمت راسكين بعبارات شخصية لافتة. ولم تسلم حتى بعض الأصوات الجمهورية، إذ اتهمت النائب توماس ماسي، أحد أبرز الداعمين لقانون الشفافية، بأنه يتحرك بدافع "متلازمة كراهية ترامب".
وعندما تحولت الأسئلة إلى علاقة الرئيس دونالد ترامب بإبستين، رفضت بوندي الخوض في التفاصيل. النائب تيد ليو ضغط عليها بشأن ما إذا كان ترامب قد حضر مناسبات ضمت فتيات قاصرات، لكنها وصفت الأسئلة بأنها "سخيفة للغاية"، مؤكدة أنه لا يوجد دليل على ارتكاب ترامب أي جريمة. وعندما أشار ليو إلى ورود اسم ترامب في عدة مواضع ضمن الملفات، ردت بحدة رافضة أي إيحاء بارتكاب مخالفات.
عدم توجيه اتهامات جنائية للكثيرين
الوثائق المفرج عنها كشفت كذلك أن شخصيات مقربة من ترامب، من بينهم وزير التجارة هوارد لوتنيك، والمستشار السابق ستيف بانون، وإيلون ماسك، كانت لهم علاقات أوثق بإبستين مما كان معروفًا سابقًا. ورغم عدم توجيه اتهامات جنائية لأي منهم، فإن هذه المعطيات زادت من الضغوط الشعبية المطالِبة بمزيد من الشفافية.
وفي تطور زاد من تعقيد المشهد، اضطرت وزارة العدل مؤخرًا إلى سحب آلاف الوثائق والمواد المنشورة بعد اكتشاف أنها تضمنت معلومات تكشف هوية ضحايا عن طريق الخطأ. هذا الإخفاق أثار تساؤلات جدية حول قدرة الوزارة على إدارة ملفات حساسة بهذا الحجم، وأشارت النائبة زوي لوفغرين إلى أن مصداقية الوزارة تعرضت لضرر واضح.
وهكذا، لم تعد قضية إبستين مجرد ملف قضائي مغلق بوفاته عام 2019 داخل زنزانته في سجن مانهاتن، والتي اعتُبرت رسميًا حالة انتحار، بل تحولت إلى اختبار دائم لشفافية المؤسسات الأميركية وقدرتها على الموازنة بين حق الجمهور في المعرفة وحق الضحايا في الحماية.