رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن صباح الثالث من يوليو 2013 صباحًا عاديًا. لم يكن شبيهًا بأي صباح سبقه، ولا حتى بأي صباح تلاه. كان صباحًا محمّلًا بما لا يُقال، صباحًا خرج من رحم ليلة طويلة من القلق والانتظار، وكأن الذاكرة المصرية استيقظت قبله بلحظات، تتهيأ لاستقبال قرار سيظل عالقًا فيها إلى الأبد.

استيقظ المصريون في ذلك الصباح وهم لا يعرفون بعد ما الذي سيحدث، لكنهم كانوا يشعرون أن شيئًا كبيرًا قد اكتمل في الداخل. لم يكن السؤال: هل سيتغيّر شيء؟ بل: كيف سيُعلن ما تغيّر بالفعل؟ فالليل السابق كان قد فعل فعله، شحن الوجدان، وثبّت الموقف، وترك الجميع في حالة ترقّب صامت، أقرب إلى الصلاة منها إلى السياسة.

في البيوت، في المقاهي، في أماكن العمل، كان الحديث خافتًا. الناس يتبادلون النظرات أكثر مما يتبادلون الكلمات. الأخبار تُتابَع، والعناوين تُقرأ ببطء، وكأن الجميع يخشى أن يسبق الحدث نفسه. كان هناك خوف مشروع، نعم، لكنه لم يكن خوفًا من القرار، بل خوفًا عليه: هل سيأتي بحجم التضحيات؟ هل سيحمي ما خرج الناس من أجله؟

وحين بدأ الخبر يتشكّل، لم ينفجر الشارع فورًا. لم تكن هناك قفزة هستيرية، ولا صيحات مفاجئة. كان أول رد فعل هو الصمت. صمت ثقيل، لكنه صمت ارتياح. ذلك الصمت الذي يسبق الدموع، أو يسبق الابتسامة. صمت من يسمع خبرًا كان يتمناه لكنه لم يجرؤ على توقعه كاملًا.

ثم، شيئًا فشيئًا، بدأت المشاعر تتحرّك. في بعض البيوت، ارتفعت الزغاريد دون ترتيب. في بيوت أخرى، جلس الناس أمام الشاشات والدموع تسبق الكلمات. لم يكن الفرح صاخبًا في بدايته، بل حذرًا، متأملًا، كأن المصريين تعلّموا من قسوة التجربة ألا يفرطوا في الاحتفال قبل أن يتأكدوا أن الوطن بات في أيدٍ أمينة.

في الشارع، تغيّر الإيقاع. الوجوه التي كانت مرهقة صارت أكثر إشراقًا، لكن بلا استعراض. الناس يسيرون وهم يشعرون أن ثقلًا قد أزيح عن صدورهم. لم تكن فرحة انتقام، بل فرحة نجاة. فرحة من شعر أنه كان على وشك الغرق، ثم وجد الأرض تحت قدميه من جديد.

الأكثر لفتًا للنظر أن المصريين، في تلك اللحظة، لم يتحدثوا كثيرًا عمّن سقط، بقدر ما تحدثوا عمّا نجا. نجا الوطن من سيناريو مظلم، نجا المجتمع من انقسام كان يوشك أن يتحوّل إلى اقتتال. كان الإحساس العام أن البلاد استعادت فرصة، لا نصرًا نهائيًا، وأن الفرصة مسؤولية قبل أن تكون إنجازًا.

حتى الذين لم يخرجوا إلى الميادين، شعروا أنهم كانوا جزءًا من القرار. ذلك هو الفارق الجوهري. لم يكن القرار مفروضًا من أعلى، بل كان استجابة لصوت تراكم في الأسفل. وحين أدرك الناس ذلك، شعروا لأول مرة منذ زمن أن أصواتهم لا تزال قادرة على أن تصنع فارقًا.

في المساء، حين أُعلن القرار رسميًا، كان المشهد في البيوت شبيهًا بما كان في الميادين. بكاء، عناق، دعاء صامت. كثيرون لم يحتفلوا، بل شكروا الله. وكأن المصريين، على اختلاف توجهاتهم، أدركوا أن ما حدث ليس لحظة انتصار سياسي، بل لحظة إنقاذ وطني.

ذلك الصباح لم يُنهِ القلق بالكامل، لكنه بدّله. نقل القلق من سؤال الوجود إلى سؤال البناء. من: هل سننجو؟ إلى: كيف سنحمي ما أنقذناه؟ وهنا، بدأت مرحلة جديدة في الذاكرة المصرية، مرحلة أقل صخبًا، لكنها أكثر عمقًا.

صباح الثالث من يوليو لم يكن نهاية قصة، بل بداية فصل مختلف. فصل تُكتب فيه السياسة بالحذر، ويُعاد فيه تعريف الوطن باعتباره مسؤولية مشتركة، لا غنيمة. فصل تعلّم فيه المصريون أن القرارات الكبرى لا تُقاس فقط بوقعها اللحظي، بل بما تتركه في الوجدان على المدى الطويل.

وهكذا، استيقظت الذاكرة على القرار…

لا كصدمة، بل كيقظة.

لا كفرحة عابرة، بل كعهد جديد بين شعب ووطنه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء