كانط في ذكرى وفاته.. صاحب الثورة الكوبرنيكية بالفلسفة
تحل اليوم ذكرى رحيل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، أحد أبرز أعلام الفلسفة الحديثة، والذي ولد عام 1724 ورحل عن عالمنا في 12 فبراير عام 1804، بعد أن أحدث ثورة فكرية غيرت مسار الفلسفة الأوروبية، ورسخت اسمه بوصفه أحد أهم منظّري نظرية المعرفة في التاريخ.
ثورة فلسفية
طرح كانط منظورًا جديدًا في التفكير الفلسفي، أحدث تحولًا جذريًا فيما يعرف بـ«الثورة الكوبرنيكية في الفلسفة»، حيث نقل مركز الاهتمام من الأشياء ذاتها إلى العقل البشري الذي يدركها، فلم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل كيف نعرف؟ وما حدود هذه المعرفة؟ وهو تحول أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم.
نقد العقل
يعد كتابه الأشهر «نقد العقل المحض»، الذي نشره عام 1781، من أهم الكتب الفلسفية في التاريخ الحديث.
وفيه سعى كانط إلى فحص بنية العقل البشري وحدوده، محاولًا تحديد الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، وهاجم في هذا العمل الميتافيزيقا التقليدية، معتبرًا أنها تجاوزت حدود العقل حين حاولت الإجابة عن أسئلة لا يمكن البرهنة عليها تجريبيًا.
حدود المعرفة
أكد كانط أن العقل لا يدرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر له من خلال قوالبه الذهنية المسبقة، مثل الزمان والمكان والسببية.
وضرب مثالًا على ذلك بأن العقل حين يتعامل مع أي ظاهرة، فإنه يُخضعها تلقائيًا لمبدأ السببية، فيراها إما سببًا أو نتيجة، وهو ما يعني أن للعقل دورًا نشطًا في تشكيل المعرفة، لا مجرد استقبالها.
الأخلاق والضمير
لم تتوقف إسهامات كانط عند نظرية المعرفة، بل امتدت إلى الأخلاق، حيث نشر كتابه «نقد العقل العملي»، الذي بحث فيه مفهوم الواجب والضمير، وطرح فكرته الشهيرة حول «الأمر المطلق»، الذي يدعو الإنسان إلى التصرف وفق قاعدة يمكن تعميمها على الجميع، مؤسسًا بذلك لنظرية أخلاقية تقوم على العقل لا على المنفعة أو النتائج.
فلسفة الجمال
وفي كتابه «نقد الحكم»، تناول كانط فلسفة الجمال والغائية، محاولًا فهم طبيعة الأحكام الجمالية وكيف يصدر الإنسان حكمًا على شيء بأنه جميل، ورأى أن الجمال تجربة ذاتية، لكنها تحمل في الوقت نفسه طابعًا كليًا، ما جعل أفكاره أساسًا لعدد من النظريات الجمالية اللاحقة.
إصلاح الميتافيزيقا
كان كانط يؤمن بإمكانية إصلاح الميتافيزيقا لا إلغائها، من خلال إخضاعها لشروط العقل النقدي، بحيث تظل ضمن حدود المعرفة الممكنة.
وبهذا الموقف الوسطي، جمع بين النزعة العقلانية والتجريبية، مؤسسًا مرحلة جديدة أثرت في فلاسفة كثر، من بينهم هيغل وشوبنهاور ونيتشه، وصولًا إلى الفلسفة المعاصرة.
امتد تأثير كانط من القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا، إذ لا تزال أفكاره حاضرة في الفلسفة، والعلوم الإنسانية، والنظريات الأخلاقية والسياسية، وينظر إليه بوصفه أحد العقول التي وضعت أسس التفكير الحديث، ورسخت مبدأ النقد بوصفه أداة لفهم العالم.