رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المصادفة قادتني - ونحن في عام 2026 - إلى رحلة زمنية نادرة عبر شاشة قناة "ماسبيرو زمان"، حيث شاهدت حلقة من برنامج "فكر ثواني واكسب دقايق" من تقديم الإعلامية الكبيرة نجوى إبراهيم، تعود - على الأرجح - إلى أواخر الثمانينيات أو مطلع التسعينيات.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود، نجحت الحلقة في جذب انتباهي لمتابعتها منذ اللحظة الأولى وحتى تترات النهاية، بلا ملل أو افتعال، وكأنها صُنعت لهذا الزمن.

بدأت الحلقة على غير المتوقع، بعُطل مفاجئ في سيارة البرنامج على طريق مصر - الإسكندرية الصحراوي، موقف عابر في الظاهر، لكنه صُنع بذكاء مهني حوّله إلى مادة إعلامية راقية.

فقد لجأت الإعلامية نجوى إبراهيم وفريق العمل، بعد تعطل سيارتهم، إلى كابينة هاتف الطوارئ، تلك التي كانت وزارة الاتصالات قد أنشأتها بواقع كابينة كل عشرة كيلومترات (قبل ظهور التليفون المحمول الذي دخل الخدمة في مصر عام 1998)، ليكتشفوا أن الكابينة خالية، والتليفون بأكمله مسروقًا، وأن وسيلة النجدة نفسها أصبحت معطلة.

وهنا قررت المذيعة أن تحوّل الواقعة إلى رسالة، فتوجهت إلى الهيئة القومية للاتصالات سابقًا، أو الشركة المصرية للاتصالات حاليًا، وأجرت حوارًا هادئًا وراقيًا مع أحد مسؤولي الاتصالات، ناقشت فيه أهمية خدمة طوارئ الطرق السريعة، وضرورة الحفاظ على المال العام، وقدمت نصائح توعوية للمشاهدين، بلا توبيخ ولا استعراض، بل بعقل يحترم وعي الجمهور.

ثم انتقلت الحلقة بسلاسة إلى فقراتها المعتادة: مواهب شابة في التمثيل والغناء، مواطنون عاديون، لحظات إنسانية بسيطة لكنها صادقة، وصولًا إلى لقاء مع الفنان يحيى الفخراني، بناءً على طلب أحد الفائزين بدقائق البرنامج، كل ذلك كان ممتعًا، يزيده متعة خفة ظل وروح النجمة الكبيرة نجوى إبراهيم وذكاؤها في إدارة الحوارات مع فئات مختلفة من الناس، ورغم ذلك لم تكن الفقرات السابقة هي أهم ما في الحلقة.

فالفقرة المهمة (من وجهة نظري) جاءت في لقاء عابر مع عاملة نظافة في مطار القاهرة، امرأة بسيطة وأم لثلاثة أطفال، تعمل ثماني ساعات متواصلة، لا تغيب عن وجهها الابتسامة، ولم تشكُ من مشقة العمل بقدر ما اشتكت من سوء سلوكيات البعض مما يضاعف من مجهودها.

ورغم ذلك كانت ابتسامة الرضا لا تفارق وجهها، حديثها يحمل كرامة، ونبرتها تشي بقناعة داخلية، ورقي إنساني يُشعرك بأن هذه السيدة - رغم بساطة موقعها الوظيفي - تعيش تصالحًا حقيقيًا مع الحياة والمجتمع.

حوار نجوى إبراهيم معها لم يكن استعراضًا للعطف، بل احترامًا خالصًا لإنسانة تعمل وتكافح، لم تُقدم عاملة النظافة كحالة تستحق الشفقة، بل كنموذج لضمير حي، وهنا تحديدًا قررت أن أكتب هذا المقال.

ذلك المشهد الصغير وتلك الكلمات العفوية، أكدت لي أننا كنا نعيش - يومًا ما - في مجتمع صحي ومتوازن، وراقٍ بكل بساطته، مجتمع تحكمه القيم، والأخلاق فيه حاضرة، ولم تكن المظاهر ولا المناصب هي معيار الحكم على الناس، ولا الاستعراض ولا ادعاء التعاطف هي وسيلة المذيعة لكسب حب الناس وتحقيق أعلى نسب مشاهدة.

فحتى طلبات المشاهدين في البرنامج كانت كاشفة: أغاني للأطفال، وللعندليب عبد الحليم حافظ، ولموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وأخرى لأم كلثوم، بما يعكس رقيًا ووعيًا جمعيًا لم يكن يبحث عن موضة وصراخ كي يعبر عن نفسه.

تؤكد لقاءات البرنامج أن غطاء الرأس (الحجاب) لم يكن هو السائد في تلك الفترة، لكن الاحترام كان سائدًا، ولم تكن اللحية رمزًا للرجولة، لكن الأخلاق كانت محسوسة.

كان التلفزيون المصري - ببساطة - شريكًا في بناء الوعي، لا في تشويشه. هذه ليست دعوة للحنين إلى الماضي ولا بكاء على زمن ذهب ولن يعود، بقدر ما هي قراءة متأخرة في درس إعلامي نجح بعد سنين طويلة في جذب الانتباه، وبقيت رسالته ناجحة ومؤثرة، فحين يحترم الإعلام عقول الناس وقيم المجتمع تصل رسالته، ويستمر تأثيرها حتى بعد عشرات السنين.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء