في توقيت يتسم بحساسية إقليمية ودولية بالغة، تتقاطع ثلاثة مسارات تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها في الواقع تعكس ترابطاً بنيوياً في هندسة القرار الإسرائيلي–الأمريكي وصياغة أولوياته. أولها انعقاد مجلس السلام الذي يطرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كإطار لإعادة ضبط مسار الحرب في غزة، وثانيها تحركات إسرائيلية متسارعة في الضفة الغربية تحمل سمات “الضم الصامت”، وثالثها إعداد خطط عسكرية جديدة لعملية طويلة الأمد في قطاع غزة، بالتوازي مع لقاء مرتقب بين بنيامين نتنياهو وترامب في واشنطن. ورغم التباين الظاهري في أولويات الطرفين، حيث يميل ترامب إلى التركيز على إيران، فيما تسعى حكومة نتنياهو إلى إعادة تشكيل الوقائع الفلسطينية ميدانياً، فإن التفاعلات الجارية تشير إلى أن أي تفاهم أو خلاف بينهما سينعكس بالضرورة على الملفين معاً: الفلسطيني والإيراني.
في غزة، تكشف التقارير الدولية حول إعداد القيادة الجنوبية الإسرائيلية خططاً عملياتية أكثر حدة من المراحل السابقة، عن احتمال انتقال إسرائيل من نمط “العمليات الدورية المكثفة” إلى استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، تستهدف ما تبقى من البنية التنظيمية لحركة حماس، خاصة في مناطق لم تشهد توغلات برية واسعة مثل دير البلح والمواصي. غير أن تنفيذ عملية بهذا الحجم لا ينفصل عن الموقف الأمريكي؛ فواشنطن تظل المظلة السياسية والعسكرية الأهم لإسرائيل، وموافقتها أو حتى صمتها شرط حاسم لشرعنة أي تصعيد كبير. هنا تتجلى معادلة معقدة؛ ترامب، الذي جعل وقف إطلاق النار محوراً رمزياً لمبادرته المسماة «مجلس السلام»، لا يرغب – على الأرجح – في انفجار عسكري واسع قد يربك حساباته الداخلية قبيل انتخابات التجديد النصفي، لكنه في الوقت ذاته لا يريد أن يبدو مقيداً لإسرائيل أو متهاوناً. ومن ثم، قد نشهد صيغة وسطية تسمح لإسرائيل بتصعيد تكتيكي محدود دون إعلان حرب شاملة.
بالتوازي مع ذلك، تتحرك الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية عبر أدوات قانونية وإدارية تعكس تحولاً من فكرة “الضم الرسمي” الذي قد يستفز واشنطن والمجتمع الدولي، إلى “الضم الفعلي” أو الصامت. قرارات الكابينيت الأخيرة، بما في ذلك إلغاء القانون الأردني الذي يحظر بيع العقارات لليهود، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، وإلغاء شرط الحصول على “تصريح صفقة” قبل إتمام عمليات الشراء، تمثل بنية تشريعية جديدة تعيد تشكيل سوق الأراضي في الضفة الغربية. هذه الإجراءات لا تعني فقط تسهيل شراء الأراضي من قبل المستوطنين، بل تعكس إعادة هندسة قانونية تسمح بتوسيع السيطرة الإسرائيلية دون الحاجة إلى إعلان سيادة رسمي.
الدلالة الإجرائية هنا مهمة؛ فقرارات الكابينيت، بخلاف قرارات الحكومة الموسعة، تتم في إطار أكثر سرية، وتحظى بغطاء قانوني يحد من الشفافية وفقاً لقانون أساس الحكومة. وهذا يمنح القيادة السياسية مساحة للمناورة، حيث يمكن تنفيذ خطوات استراتيجية بعيدة المدى دون إثارة ضجيج سياسي داخلي أو خارجي.
من منظور استراتيجي، يبدو أن إسرائيل تختبر حدود الاعتراض الأمريكي؛ فهي تتجنب إعلان ضم شامل قد يحرج ترامب، لكنها تمضي عملياً في تفكيك القيود القانونية التي كانت تكبح توسع الاستيطان.
في هذا السياق، يكتسب اللقاء المرتقب بين نتنياهو وترامب أهمية مضاعفة. صحيح أن جدول الأعمال المعلن يركز على إيران، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو بإعادة ضبط قواعد الاشتباك الإقليمي، إلا أن الفصل بين المسارين الإيراني والفلسطيني يظل نظرياً أكثر منه عملياً. فنتنياهو يدرك أن توظيف “التهديد الإيراني” يمكن أن يوفر غطاءً لتليين الموقف الأمريكي في الساحة الفلسطينية، بينما يدرك ترامب أن أي انفجار في الضفة أو غزة قد يربك أولويته الاستراتيجية في مواجهة طهران أو إعادة التفاوض معها من موقع قوة.
من ناحية أخرى، فإن معارضة ترامب العلنية لخطوات الضم الرسمية في الضفة الغربية لا تعني بالضرورة رفضاً شاملاً لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، بل تعكس تفضيلاً لأسلوب أقل صدامية وأكثر قابلية للتسويق دولياً. ومن المرجح أن تنجح الضغوط الأمريكية في منع تشريع قانون ضم شامل في الكنيست أو إعلان سيادة رسمي، لكن ذلك قد يقود إلى تسريع وتيرة “الضم الصامت” عبر أدوات إدارية وتنظيمية، وهو ما يحقق الهدف الاستراتيجي ذاته دون كلفة سياسية فورية.
ختاماً، إن المنطقة تقف أمام لحظة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية الأمريكية مع الأجندة الأيديولوجية للحكومة الإسرائيلية. فإذا منح ترامب ضوءاً أخضر، ولو ضمنياً، لتصعيد في غزة، فقد يكون ذلك مقابل التزام إسرائيلي بضبط إيقاع الضم في الضفة وعدم إحراج واشنطن علناً. أما إذا شدد البيت الأبيض قيوده، فقد تتجه إسرائيل إلى تعويض ذلك بتسريع الإجراءات القانونية والإدارية في الضفة، باعتبارها ساحة أقل كلفة عسكرياً.
في كل الأحوال، فإن انعقاد «مجلس السلام» لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه التحركات الميدانية؛ فبدلاً من أن يشكل إطاراً لتجميد الصراع، قد يتحول إلى منصة لإعادة تعريف شروطه. وبينما يُطرح الملف الإيراني كأولوية استراتيجية، يبقى الواقع الفلسطيني في غزة والضفة معاً ساحة الاختبار الفعلية لمدى تماسك التحالف الأمريكي–الإسرائيلي وحدود قدرته على إدارة تناقضاته الداخلية. هنا يتضح أن أي تباين في الدوافع لا يلغي وحدة المصالح، بل يعيد ترتيبها ضمن معادلة أكثر تعقيداً، حيث يصبح كل ملف ورقة ضغط في الآخر، وتغدو الجغرافيا الفلسطينية نقطة الارتكاز في لعبة إقليمية أوسع.