رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من إدارة صراع إلى حسم استعماري

ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يعد مجرد عدوان واحتلال يصعّد جرائمه، وإنما نحن أمام انتقال بنيوي في المشروع الإسرائيلي من إدارة احتلال ذي طبيعة مؤقتة مهما طال، إلى تثبيت سيادة استعمارية شاملة تعيد تعريف الجغرافيا والسكان والرموز السياسية والدينية.
المعادلة الجديدة تقوم على مسارين متكاملين: ضم صامت ومتدرج وزاحف في الضفة الغربية والقدس، وإبقاء قطاع غزة في حالة إنهاك دائم يجعله غير صالح للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إنها لحظة إعادة صياغة للواقع الفلسطيني، لا مجرد تعديل في قواعد الاشتباك.

أولًا: الضفة الغربية – إنهاء أوسلو دون إعلان رسمي
الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تمثل انقلابًا عمليًا على اتفاقيات أوسلو وبروتوكولاتها. السيطرة المتزايدة على مناطق (أ) و(ب)، تسهيل نقل الأراضي للمستوطنين، رفع القيود عن سجلات الملكية، نقل صلاحيات التخطيط والبناء إلى الإدارة العسكرية، وتقليص دور السلطة الفلسطينية إلى وظيفة أمنية وإدارية محدودة — كلها تشكل عملية تفكيك ممنهجة لفكرة الحكم الذاتي.
النتيجة واضحة، مدن فلسطينية بلا سيادة، سلطة بلا صلاحيات فعلية، وأرض يعاد تشكيلها ديموغرافيًا وقانونيًا لصالح المشروع الاستيطاني.
لم يعد الضم بحاجة إلى إعلان رسمي؛ إنه يتحقق عبر القوانين والخرائط والميزانيات والبنية التحتية.
هكذا يُنهي الاحتلال أوسلو عمليًا، بينما يتركه قائمًا شكليًا لتفادي الكلفة السياسية الدولية.

ثانيًا: القدس والخليل – السيطرة على الرمز قبل السيطرة على الجغرافيا
في القدس، تتكثف ملامح المشروع الاستعماري بأوضح صورها.
هدم المنازل، سحب الهويات، عزل المدينة عن محيطها في الضفة، تكريس تخطيط عمراني يخدم المستوطنين، وخنق الأحياء الفلسطينية اقتصاديًا وديموغرافيًا — ليست سياسات متفرقة، بل أدوات لإعادة تعريف هوية المدينة.
المسجد الأقصى يتعرض لاستباحة متكررة عبر الاقتحامات ومحاولات فرض تقسيم زماني ومكاني، في انتهاك صارخ للوضع القانوني والتاريخي القائم. وتمتد الاعتداءات إلى المقدسات المسيحية والإسلامية، بما يعكس سعيًا لإعادة صياغة السيادة الرمزية والدينية للمدينة.
وفي الخليل، يشكل نقل الصلاحيات المرتبطة بالحرم الإبراهيمي وتفكيك ترتيبات بروتوكول 1997 خطوة إضافية نحو إعادة هندسة المدينة لصالح المستوطنين، وتهجير الفلسطينيين من قلبها التاريخي.
القدس والخليل ليستا ملفًا إداريًا؛ إنهما معركة على الذاكرة والسيادة والهوية.

ثالثًا: غزة – إدارة إبادة بنيوية تحت غطاء الهدنة

في قطاع غزة، يتخذ المشروع شكلًا أكثر قسوة.
رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، سُجل خلال أربعة أشهر فقط 1,620 خرقًا للاتفاق، شملت إطلاق نار، توغلات، قصفًا، ونسف منازل، وأسفرت عن 573 شهيدًا و1,553 جريحًا، معظمهم من المدنيين.
أما في الجانب الإنساني، فقد دخلت 43% فقط من الشاحنات المفترض دخولها، ولم تتجاوز شاحنات الوقود 14% من المطلوب، فيما ظل تشغيل المعابر محدودًا، ومعبر رفح يعمل جزئيًا بنسبة تقارب 25% من الحركة المتفق عليها.

لكن جوهر المسألة لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في الاستراتيجية الكامنة خلفها:
إبقاء غزة في حالة إنهاك دائم وبنية تحتية مدمرة، بدون كهرباء، ومياه ملوثة، وبطالة مرتفعة، وإعمار معطل ومجاعة، وخيام ممزقة، بما يحول القطاع إلى مساحة طاردة للحياة، ويدفع السكان نحو اليأس والهجرة.
إنها إبادة بنيوية بطيئة تستهدف القدرة على الاستمرار وبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية وصولًا إلى تهجير السكان.

رابعًا: نظام قانوني مزدوج يكرّس الفصل العنصري

الواقع القائم اليوم يكرّس نظامين قانونيين متوازيين:
مستوطن يتمتع بكامل الحقوق المدنية والسياسية، وفلسطيني يخضع لقانون عسكري يقيد حركته وملكيته وحقه في البناء والتنقل والمشاركة السياسية.
هذا ليس خللًا إداريًا، بل بنية فصل عنصري مؤسسية تُستخدم لتثبيت الضم وإدارة السكان ككتلة خاضعة بلا سيادة.

خامسًا: البعد العربي والدولي – بين الإدانة والمسؤولية

الإدانات اللفظية لم تعد كافية. استمرار الصمت أو الاكتفاء بالمواقف الرمزية يترجم عمليًا إلى تمكين للمشروع الاستيطاني.
المطلوب عربيًا بناء حائط صد سياسي حقيقي، يرتكز على:
تثبيت الموقف الرافض للتهجير القسري وتصفية القضية.
ربط أي انخراط إقليمي باحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية.
تنسيق عربي يضع خطوطًا حمراء واضحة أمام الضم والاستيطان الاستعماري تقوده مصر كما فعلت سابقًا لإفشال مخططات التهجير والضم.

ودوليًا، يتطلب الأمر الانتقال من خطاب “القلق” إلى أدوات إلزام حقيقية تتمثل في تفعيل آليات القانون الدولي الإنساني والمحكمة الجنائية الدولية، وتفعيل فرض العقوبات على دولة الاحتلال، وتعزيز التضامن الدولي مع فلسطين لفرض قيود على التوسع الاستيطاني، وحماية الوضع القانوني للقدس، وضمان تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وتدفق المساعدات، وإعادة الإعمار دون ابتزاز سياسي.
فالصمت لم يعد حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في إعادة تشكيل الواقع بالقوة.

سادسًا: الرؤية الفلسطينية – من إدارة الأزمة إلى استعادة المبادرة

في مواجهة هذا التحول البنيوي، لا يكفي توصيف الخطر. المطلوب انتقال فلسطيني من رد الفعل إلى الفعل المبادر عبر:
استعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج سياسي جامع.
إعادة بناء منظمة التحرير كمظلة تمثيلية فاعلة.
إطلاق مقاومة شعبية منظمة تحمي الأرض من المصادرة والضم.
تحويل المسار القانوني الدولي إلى استراتيجية متكاملة لا مجرد تحركات رمزية.
تفعيل دور الشتات في الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي.
المعركة لم تعد فقط على الحدود، بل على تعريف الحق والسيادة ومستقبل الوجود الفلسطيني ذاته.

الخلاصة الاستراتيجية: لحظة فاصلة لا تحتمل الانتظار

ما يحدث اليوم ليس إجراءات مؤقتة قابلة للاحتواء، بل لحظة فاصلة في مشروع تصفية القضية الفلسطينية عبر الضم الصامت وإدارة الإبادة البطيئة.
الضم المتدرج في الضفة، تهويد القدس، السيطرة على المقدسات، وإبقاء غزة منطقة منكوبة غير صالحة للحياة، ليست مسارات منفصلة، بل أضلاع مشروع واحد يعيد تعريف فلسطين سياسيًا وديموغرافيًا.


إذا لم تُواجَه هذه السياسات سياسيًا وقانونيًا وشعبيًا الآن، فإن ما يُغلق لن يكون فقط أفق التسوية، بل أساس الحق الفلسطيني في الأرض والسيادة وإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.


فلسطين لا تُمحى بقرار مفاجئ، بل بتراكم يومي لوقائع وجرائم تُفرض تحت غطاء الصمت والعجز الدولي والتردد الإقليمي والانقسام الداخلي.
وهذه لحظة لا تسمح بتأجيل التحرك الاستراتيجي الفلسطيني لمواجهة مخططات تصفية القضية الفلسطينية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء