رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الإنسان الحر لا تحكمه قيود، ولكنه يحترم القيم الإنسانية العليا، هذا هو الإنسان المثالي الذي نسعى جميعا إلى أن نكونه أو على الأقل أن نبدو كذلك، سمعت من أحد الأصدقاء الراحلين -عليه رحمة الله- أنه يوجد مثلا فرنسيا يقول: "إذا لم تكن رجلا شريفا فحاول أن تبدو كذلك"، على أية حال إشكالية كيف نحن وكيف نبدو تحتاج إلى إفراد العديد من المقالات.

 

قيود الإنسان كثيرة، ربما يقيده الفقر أو المرض أو غرائزه مثل الطمع أو الخوف، وهو ما ينفي عنه صفة الحرية، للأسف الشديد في عصرنا الحالي أضيف قيد جديد إلى مجموعة القيود السابقة، ألا وهو "قيد الخوارزميات"، والمقصود هنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تتحكم فينا وفيما نرى وكيف نفكر ونشعر ونتصرف، ويتم هذا بهدوء وخبث شديدين، فلا نشعر بوجودها ونعتقد أننا نحن الفاعلين والحقيقة أننا المفعول به بامتياز.

 

فالخوارزميات ترينا ما تحب وتحجب عنا ما تحب، وتستمر في الإلحاح بمواد معينة وآراء محددة بصورة هستيرية قادرة على تغيير قناعاتنا في النهاية، ثم لا تتركنا حتى بعد انتقال المعتقد والإحساس إلى مرحلة الفعل، فتستمر في التشجيع والحث على المزيد، هذه هي الخوارزميات غير المباشرة، فما بالك بالخوارزميات التي نلجأ إليها طواعية لنسألها وتقرر لنا، نسألها ماذا نرتدي في الصباح وإلى أين نذهب، ونستشيرها في مشاكلنا الصحية والشخصية والدراسية والمهنية، ونطلب منها أن تقدم لنا الحلول لكل ما يعن لنا أو نوكل به، وهي خطوة بسيطة في بدايتها ولكن العاقبة ستكون وخيمة، تماما مثلما يجرب الإنسان المخدرات مرة، ثم يسعى إلى الحصول عليها بعد ذلك، فالجسم يتوقف عن الإفرازات الطبيعية طالما يتحصل عليها من الخارج، وينتهي الأمر إلى أن يتحول الشخص إلى تاجر مخدرات ومدمن يقبع في السجن أو في مصحة للإدمان أو يفارق الحياة إلا من رحم ربي.

 

ولمحاولة كسر هذا القيد يجب علينا أولا أن نقنن الاستخدام وساعات المكوث خلف شاشات الهواتف، وأن نحافظ على قدراتنا العقلية في مجال الرصد والنقد والتحليل والمقارنة والصياغة، كما يجب أن ننوع مصادر المعرفة فلا نكتفي بما تقدمه لنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فالكتب والمقالات والمراجع وسؤال الخبراء مطلوب، يجب أن نخلق مساحات هادئة بلا خوارزميات حيث القراءة والاستماع إلى الموسيقى والتواصل البشري التقليدي، كما يجب أن نعرف دائما ونستمر في تذكير أنفسنا والآخرين أنه لا يوجد في تلك الحياة شيئا مجانيا، وإن بدا كذلك فأنت نفسك السلعة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء