بنوك الجلد بمصر.. مشروع إنقاذ مؤجل بين الضرورة الطبية والجدل المجتمعي|خاص
تشهد فيه مصر ارتفاعًا مقلقًا في معدلات الحوادث والحروق، يظل ملف بنوك الجلد واحدًا من أخطر الملفات الطبية الغائبة عن المنظومة الصحية، رغم كونه عنصرًا حاسمًا في إنقاذ حياة آلاف المرضى سنويًا، لا سيما المصابين بالحروق الشديدة وفقدان مساحات واسعة من الجلد.
ويؤكد متخصصون في جراحات التجميل والحروق أن هذا الفائض الجلدي يُعد موردًا علاجيًا بالغ الأهمية، تستفيد منه دول عدة في علاج الحروق والحوادث والأورام، بينما لا يزال يُهدر في مصر دون استغلال منظم.
في أقسام الحروق، لا يُقاس الوقت بالساعات بل بالدقائق، فكل تأخير في تغطية الجروح الواسعة قد يفتح الباب لمضاعفات قاتلة، تبدأ بفقدان السوائل ولا تنتهي بتسمم الدم.
ورغم ذلك، لا تزال مصر تفتقر إلى بنك جلد وطني متكامل، في وقت يؤكد فيه خبراء أن وجوده لم يعد رفاهية، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح.
استشاري جراحة التجميل والحروق
يشير الدكتور أحمد رزق، استشاري جراحة التجميل والحروق، إلى مصدر آخر يمكن أن يدعم إنشاء بنك جلد وطني، يتمثل في الجلد الزائد الناتج عن جراحات شد البطن، وتصغير الثدي، وجراحات ما بعد السمنة المفرطة.
وأكد في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" أن هذا الجلد غالبًا ما يُعدم طبيًا رغم صلاحيته للاستخدام، موضحًا أن فكرة بنك الجلد لا تقوم على انتزاع أنسجة من أصحاء، بل على تجميع الأنسجة الفائضة التي كان مصيرها التخلص منها، ومعالجتها وحفظها وفق ضوابط علمية دقيقة لاستخدامها كغطاء حيوي مؤقت لضحايا الحروق، خاصة الأطفال.
ويرى رزق أن تنظيم استغلال هذا الفائض في إطار قانوني وأخلاقي صارم يمكن أن يحول موردًا مُهدرًا إلى أداة إنقاذ فعالة، كما هو الحال في عدد من الدول التي دمجت بنوك الجلد ضمن منظومة علاج الحروق والحوادث والأورام.
الملف لم يخلُ من جدل مجتمعي، خاصة بعد طرح مقترحات برلمانية لتنظيم التبرع بالأنسجة بعد الوفاة.
عضو مجلس نقابة الأطباء
الدكتور خالد أمين زارع، عضو مجلس نقابة الأطباء، يؤكد أن كثيرًا من الانتقادات التي أثيرت مؤخرًا جاءت نتيجة اختزال القضية في عناوين صحفية غير دقيقة، ركزت على "التبرع بالجلد" باعتباره وسيلة لخفض الإنفاق، بينما جوهر الطرح يتعلق بتفعيل قانون تنظيم التبرع بالأعضاء والأنسجة رقم 5 لسنة 2010.
ويشدد في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" على أن القضية في أساسها إنسانية، ترتبط بإنقاذ أرواح ومنح المرضى فرصة جديدة للحياة، في إطار من الضوابط الصارمة التي تحظر الاتجار بالأعضاء، وتضمن التبرع بالإرادة الحرة الكاملة، مع رقابة طبية وقانونية دقيقة.
من جهته، يؤكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان، أن الوزارة تدرس إنشاء منظومة وطنية لبنوك الأنسجة، وعلى رأسها بنك الجلد، في إطار مشروع تطوير معهد ناصر ضمن مدينة النيل الطبية.
ويشير إلى أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستخضع لبروتوكولات واضحة تضمن الجودة والسلامة والشفافية، مع تدريب الكوادر الطبية ورفع كفاءة وحدات الحروق، والتنسيق مع المؤسسات الدينية الرسمية.
ويطمئن عبدالغفار إلى أن التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب تشوهًا للجثمان، إذ يتم أخذ طبقات سطحية رفيعة من مناطق غير ظاهرة، مع ترميم موضعي يحفظ الشكل العام للجثمان ولا يؤثر على إجراءات الغسل أو التكفين أو الدفن.
في ظل تزايد أعداد مصابي الحوادث والحروق، يبقى السؤال مطروحًا: لماذا لا تتحول الفكرة إلى واقع؟
الأطباء يؤكدون أن إنشاء بنك جلد وطني ليس مشروعًا تجريبيًا، بل خطوة استراتيجية يمكن أن تُحدث تحولًا جذريًا في علاج الحروق بمصر، من خلال تقليل المضاعفات، وخفض الوفيات، وتخفيف العبء المالي على الدولة والمرضى.
وبين الضرورة الطبية، والحاجة إلى وعي مجتمعي وتشريعي متكامل، يظل بنك الجلد مشروعًا ينتظر قرارًا حاسمًا… قد يصنع الفارق بين الحياة والموت لآلاف المرضى كل عام.