رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية لم يكن مجرد مواجهة عسكرية على حدود دولتين، بل كان بمثابة حجر ضخم أُلقي في قلب الاقتصاد العالمي، فتوالت دوائر الارتداد من كييف وموسكو إلى عواصم أوروبا وأسواق آسيا وأفريقيا. خلال أسابيع قليلة، تحولت خطوط النار إلى خطوط أسعار، وامتدت آثار الصواريخ إلى فواتير الطاقة، وسلال الغذاء، وأسعار الفائدة، ومستقبل النمو العالمي، وهكذا لم يعد سؤال الحرب مقتصرًا على من يربح الأرض ومن يخسرها، بل أصبح سؤالًا اقتصاديًا بامتياز: كيف يمكن لصراع إقليمي أن يعيد تشكيل حياة ملايين البشر حول العالم، ويقلب موازين الاقتصاد الدولي رأسًا على عقب؟

تأثر العالم بالحرب الروسية-الأوكرانية لأن الصراع وقع في قلب سلاسل إمداد عالمية حساسة، تخص الطاقة والغذاء والمواد الخام والأسمدة والنقل البحري والتأمين والتمويل، ثم تزامن ذلك مع عقوبات واسعة وإعادة توجيه للتجارة وارتفاع حاد في حالة عدم اليقين، فانتقلت الصدمة من حدود أوكرانيا إلى الأسعار والنمو والسياسات النقدية في أغلب الدول.

أكبر قناة انتقلت عبرها الأزمة كانت الطاقة. أوروبا كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الروسي قبل الحرب، وعندما تراجعت الإمدادات وارتفعت المخاطر، شهدت أسواق الغاز الأوروبية قفزات قياسية. وثقت هيئة الأوراق والأسواق الأوروبية ESMA أن أسعار عقود الغاز الأوروبية، خاصة الهولندي TTF، بلغت مستويات قياسية في أواخر أغسطس 2022، وأن آلية تصحيح السوق الأوروبية لاحقًا صُممت لتُفعل عندما يتجاوز السعر 180 يورو، مع شروط إضافية للفارق السعري. هذا الارتفاع في تكاليف الطاقة لم يبقَ محليًا، لأن الطاقة تدخل في تكلفة النقل والتدفئة والكهرباء والإنتاج الصناعي، فانعكس سريعًا على أسعار السلع والخدمات عالميًا.

القناة الثانية كانت التضخم الناتج عن صدمة الطاقة والغذاء معًا. في أوروبا ظهرت هذه الصدمة بوضوح في البيانات الرسمية: يوروستات أعلن أن تضخم منطقة اليورو وصل إلى 10.6% في أكتوبر 2022، والاتحاد الأوروبي 11.5%، مقارنة بنحو 4.1% في أكتوبر 2021. ارتفاع التضخم دفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة، وهذا وحده كافٍ لإبطاء النمو عالميًا لأن تكلفة الاقتراض ترتفع على الشركات والأفراد والدول.

أما القناة الثالثة فهي الغذاء. روسيا وأوكرانيا لاعبان كبيران في صادرات الحبوب والزيوت وبعض مدخلات الزراعة، ومع تعطل مسارات البحر الأسود والاضطراب اللوجستي وارتفاع أسعار الطاقة التي ترفع بدورها تكلفة الأسمدة والنقل، قفزت أسعار الغذاء عالميًا. صفحة مؤشر أسعار الغذاء لدى منظمة الأغذية والزراعة FAO توضح أن المؤشر في يناير 2026 كان أقل بـ 36.4 نقطة (22.7%) من ذروة مارس 2022. وبحساب بسيط: إذا كان يناير 2026 = 123.9 نقطة والفرق عن الذروة 36.4 نقطة، فهذا يعني أن الذروة كانت تقارب 160.3 نقطة في مارس 2022، وهي ذروة تاريخية تعكس كيف تحولت الحرب إلى صدمة تكلفة معيشة في بلدان بعيدة عن ساحة القتال، خصوصًا المستوردة للحبوب.

القناة الرابعة كانت تباطؤ النمو العالمي بسبب اجتماع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء مع تشديد نقدي واضطراب تجارة، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين. صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل 2022 قدّر أن النمو العالمي سيتباطأ من 6.1% في 2021 إلى 3.6% في 2022 و2023، وأشار صراحة إلى أن الحرب تسببت في ضرر اقتصادي يبطئ النمو ويرفع التضخم. عندما ينخفض نمو العالم بهذا الشكل، تظهر آثار ذلك في الاستثمار وفرص العمل والتجارة، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة التي تتأثر سريعًا بارتفاع الفائدة العالمية وبفاتورة الاستيراد الأعلى للطاقة والغذاء.

القناة الخامسة كانت التكلفة المالية الحكومية في أوروبا لتخفيف الصدمة على الأسر والشركات، وهي ليست أثرًا ثانويًا بل رقم ضخم يمس الدين العام والعجز. مؤسسة Bruegel وثقت أن الحكومات عبر أوروبا خصصت 758 مليار يورو لحماية الأسر والشركات من أزمة الطاقة بين سبتمبر 2021 ويناير 2023، منها 646 مليار يورو داخل الاتحاد الأوروبي. هذا الحجم من التدخل المالي يعني إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وارتفاعًا في أعباء التمويل، وامتداد أثر الحرب إلى الميزانيات الأوروبية لسنوات.

القناة السادسة كانت النزوح واللاجئون وتأثيرهم الاقتصادي على دول الاستقبال، وهي سكن، وتعليم، وصحة، وإعانات، ثم تأثيرات لاحقة على سوق العمل. يوروستات -المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي- أعلن أنه في 30 نوفمبر 2025 كان هناك 4.33 مليون شخص فارّ من أوكرانيا تحت الحماية المؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي. هذا الرقم يوضح لماذا تحولت الحرب إلى قضية اقتصادية أوروبية يومية، وليست مجرد ملف سياسة خارجية: لأنه يضيف ضغطًا فوريًا على الخدمات العامة، وفي الوقت نفسه يخلق تحديات وفرصًا لدمج ملايين الأشخاص في أسواق عمل تعاني أصلًا من شيخوخة سكانية في بعض البلدان.

العالم تأثر لأن الحرب ضربت أسعار الأساس للاقتصاد، وهي الطاقة والغذاء، ثم تسببت في موجة تضخم دفعت إلى تشديد نقدي عالمي، وأدت إلى تباطؤ نمو وفق تقديرات صندوق النقد، وفرضت تكاليف مالية هائلة على الحكومات الأوروبية، مع عبء إنساني كبير للنزوح. هذه ليست تفسيرات نظرية؛ بل تظهر في مؤشرات رقمية واضحة مثل ذروة الغاز الأوروبية في 2022، وتضخم منطقة اليورو 10.6%، والتدخلات المالية الأوروبية 758 مليار يورو، وذروة مؤشر الغذاء قرب 160 نقطة في مارس 2022 مقارنة بمستويات 2026، وتوقع صندوق النقد لتباطؤ النمو العالمي إلى 3.6%.

الحرب الروسية-الأوكرانية لن تُغلق اقتصاديًا بمجرد توقف المعارك، لأن الأرقام تكشف عن أزمة ممتدة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي لا تعويض خسائره فقط. فحين تكون فاتورة إعادة إعمار أوكرانيا وحدها في حدود 524 مليار دولار خلال عشر سنوات، فهذا يعني أن الاقتصاد الأوكراني سيبقى مرتبطًا بدعم خارجي طويل الأجل وبقدرة أوروبا والمؤسسات الدولية على التمويل والاستثمار، وهي عملية مرهونة بالاستقرار السياسي العالمي.

وفي الوقت ذاته، فإن أوروبا دفعت بالفعل ثمن الصدمة عبر تضخم بلغ 10.6% في منطقة اليورو في أكتوبر 2022، وعبر تدخل مالي استثنائي وصل إلى 758 مليار يورو لحماية الأسر والشركات من أزمة الطاقة، وهو ما يعكس أن الحرب لم تكن مجرد أزمة أسعار بل أزمة ميزانيات عامة قد ترفع الديون وتضغط على الإنفاق الاجتماعي لعقد كامل. كما أن استمرار وجود 4.33 مليون أوكراني تحت الحماية المؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي حتى نوفمبر 2025 يؤكد أن الحرب تحولت إلى واقع اقتصادي-ديموغرافي يغير أسواق العمل والإنفاق الحكومي وأنماط الاستهلاك. لذلك فإن التوقع الأكثر واقعية ليس عودة العالم لما قبل الحرب، بل دخول العالم مرحلة طويلة من اقتصاد أكثر حساسية للصدمات، حيث تصبح الطاقة والغذاء والسياسة النقدية ملفات أمن قومي، وتصبح تكلفة عدم الاستقرار أكبر من تكلفة الاستقرار نفسه، مما يجعل هذه الحرب نقطة تحول اقتصادية ستظل آثارها محسوسة لسنوات حتى بعد توقفها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء