يحب الناس منصب الوزير لأنه يجمع ما لا يجتمع، القرب من السلطة، بدون مسئولية الملك. النفوذ الواسع مع البقاء داخل المجتمع. الوزير يعيش في المسافة بين قصر الحكم والشارع، وكلما نجح في السير فوق هذا الخيط المشدود استطاع أن يمسك بخيوط الدولة نفسها.
كلما اقترب موعد التغيير الوزاري، زادت الثرثرة والتوقعات حول أسماء الوزراء وحقائبهم، تتبارى وسائل الإعلام في نشر التوقعات عن تغيير هذا الوزير، أو استبدال ذاك بآخر. أغلب الشخصيات من داخل المجال السياسي أو خارجه يتحرقون شوقا لهذا المنصب الرفيع، المنصب الذي يتيح لصاحبه أن يشارك في الحكم، وأن يكون قريبا من صاحب القرار الأعلى.
المنصب الوزاري أو أي منصب سياسي رفيع ليس مجرد وظيفة إدارية، إنه رمز للقدرة على التأثير والتحكم، وصناعة القرار وهو ما يشعر البعض بالرضا النفسي. المنصب يمنحهم قوة رسمية لممارسة هذا التحكم، كما أن الوزير في نظر المجتمع رمز النجاح والجاه. حتى لو لم يكن لدى الشخص شغف بالسياسة نفسها، فشعور التقدير يجعل المنصب مرغوبا.
تروى رسوم الكاريكاتير عن شخصية "عبده مشتاق" الذي ينام ويستيقظ على حلم الوزارة، لكن الرغبة في السلطة لا تعني كفاءة الإدارة، من يمتلك رغبة مفرطة في السلطة غالبا يكون أكثر حرصا على المنصب نفسه، وليس بالضرورة على الإنجاز أو خدمة الناس. السلطة في حقيقتها ليست الكرسي ولا اللقب ولا الموكب، إنما شعور داخلي قبل أن تكون منصبا. كثيرون يظنون أن الوزير يصبح قويا لأنه جلس على المقعد، بينما الحقيقة غالبا ما تكون العكس، المقعد هو الذي يتحكم في الشخص، فيطارد المنصب بشغف شديد وقد يفرح به أياما ثم يكتشف أنه قيد ثقيل. أما الذي جاءه المنصب على غير انتظار فإنه يتولاه كأمانة، فيترك أثرا أطول. المناصب لا تصنع العظماء، لكنها تكشفهم أمام الناس.
منصب الوزير له تاريخ طويل، بدأ في عصر الحضارات الأولى، يوم اكتشف الحاكم أنه لا يستطيع أن يحكم وحده. منذ اللحظة التي جلس فيها إنسان على عرش، ظهر إلى جواره إنسان آخر لا يضع التاج لكنه يحمل العبء. في مصر الفرعونية كان الوزير أقرب الناس إلى الفرعون، يشرف على الخراج والكتبة والمحاكم، كان يسمى صاحب السمع والبصر للملك؛ فالملك يرى به ويسمع به، لأن العرش مرتفع والواقع منخفض.
في شئون الحكم، يعلن الحاكم الإرادة، أما الوزير فيحول الإرادة إلى أوامر وإجراءات وحياة يومية لذلك الوزير ليس مجرد موظف كبير، بل عقل الدولة التنفيذي، وأحيانا عقل الدولة الحقيقي، ومن أمثلتهم، نظام الملك في الدولة السلجوقية وريشيلو وتاليران في فرنسا، وميترنخ في النمسا وغيرهم. لهذا خاف الحكام من وزرائهم رغم اعتمادهم عليهم. لأن التاريخ مليء بوزراء صعدوا إلى قمة النفوذ ثم سقطوا لأن قربهم من السلطة جعلهم يعتقدون أنهم شركاؤها في المجد.
مع وجود الدولة الحديثة، قننت الوزارة، تحول مجلس الملك إلى مجلس وزراء، صار الوزير مسئولا أمام القانون والبرلمان لا أمام الحاكم وحده. انتقل المنصب من خدمة الشخص إلى خدمة المؤسسة، أصبح الوزير واجهة الدولة أمام الشعب، وجسرا بين إرادة السلطة ومطالب المجتمع.
المصريون المحدثون عرفوا الوزارة منذ القرن التاسع عشر، باسم “النظارة” التي ظهرت لأول مرة في عصر الخديوي إسماعيل عام 1878، وكان نوبار باشا الأرمني الأصل أول رئيس حكومة بالمعنى الحديث. ومع دستور 1923 أصبحت “النظارة”.. “وزارة”، وصار رئيسها مسئولا أمام البرلمان نظريا، أما عمليا فكان يتبع كلا من: الملك والاحتلال البريطاني وحزب الأغلبية. وقد شهدت الفترة الملكية (1923–1952) العصر الأبرز لتغيير الحكومات، كانت الوزارة لا تعيش أكثر من أشهر، لأن سقوطها لم يكن بسبب برنامجها بل بسبب ميزان القوى.
بعد ثورة 23 يوليو 1952، لم تعد الوزارة ساحة لصراع الأحزاب، بل جهازا لتنفيذ توجهات الدولة. رأس محمد نجيب أول وزارة في سبتمبر 1952، ثم انتقلت إلى جمال عبد الناصر. وفي عهد عبد الناصر ارتبط تغيير الحكومات بالحروب والتحولات الكبرى، مثل تأميم القناة 1956، هزيمة 1967، ثم إعادة بناء الدولة. أما في عهد السادات فكان التغيير يعكس التحول الاقتصادي، خصوصا بعد 1974 مع سياسة الانفتاح.
كان الدكتور عاطف صدقي صاحب أطول مدة بقي فيها رئيسا للوزارة في عهد مبارك، من عام 1986 حتى عام 1996، حوالي عشر سنوات، كما شكل مصطفى النحاس الوزارة في العهد الملكي عدة مرات بين 1928 و1952، وأجرى تعديلات متكررة داخل حكوماته، لكن لم يتم تغييره شخصيا. بعد أحداث يناير 2011 تعاقبت حكومات انتقالية بسرعة، لم يكن المطلوب برنامجا طويل الأمد، بل القدرة على التعامل مع يوم سياسي متقلب.
في السنوات الأخيرة أصبح العامل الاقتصادي المحرك الأساسي لأي تعديل وزاري، التضخم، سعر العملة، الاستثمار، والخدمات اليومية. لهذا يتابع المواطن أسماء الوزراء المتوقعين وهو يعلم أن الوزير يؤثر في حياته مباشرة أكثر من أي خطاب سياسي، فالوزارة في الوعي الشعبي مؤشر على اتجاه الدولة القادم.