رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: الداخل الأمريكي بين الاستمرارية والتحول

ترامب
ترامب

   تمثل الولاية الثانية للرئيس ترامب نقطة تحول مهمة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية.. إلخ؛ فلمتقتصر هذه المرحلة على تعديل بعض السياسات العامة بل سعت إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، على أساس قومي وسيادي واضح تحت شعار "أمريكا أولاً"، وهوالإطار الفكري الذي وجه هذه السياسات فلم يكن مجرد شعار انتخابي، بل أصبح مرجعية استراتيجية تربط القضايا الداخلية بمفاهيم الأمن القومي والدفاع الوطني.

    في هذا السياق، لم تعامل ملفات مثل الرعاية الصحية والهجرة والسياسة الاقتصادية باعتبارها قضايا داخلية منفصلة، بل أدرجت ضمن رؤية موسعة للأمن القومي، كما بدا واضحًا في استراتيجية الأمن القومي 2025 والدفاع لعام 2026، التي أعادتا تعريف مصادر التهديد لتشمل ليس فقط المخاطر الخارجية، بل أيضًا اختلالات الداخل: من ضعف القاعدة الصناعية، إلى الهشاشة الديموغرافية، وعليه يمكن فهم سياسات هذه المرحلة باعتبارها محاولة لإعادة تركيز السلطة التنفيذية بوصفها الأداة الأكثر قدرة على حماية السيادة وضمان التفوق الاستراتيجي، وتتضح معالم هذه المرحلة عبر ثلاثة ملفات أساسية ترسم الخطوط الكبرى لتغييرات السياسات الداخلية الأمريكية خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب وهي  السياسات الاقتصادية، وسياسات الرعاية الصحة، وسياسات الهجرة، فضلاً عن تحليل انعكاسات هذه التحولات على شعبية الرئيس ترامب وعلى مخرجات انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. وهذا على النحو التالي:

أولًا السياسات الاقتصادية:

 شهد العام الأول من الولاية الثانية للرئيس ترامب رقمًا قياسيًا في إصدار الأوامر التنفيذية، حيث تجاوز عددها 230 أمرًا. هذه الأوامر شملت مجالات متعددة مثل تنظيم الطاقة، الذكاء الاصطناعي، وتخفيف القيود التنظيمية على الشركات. ورغم أن هذه الإجراءات عززت النشاط الاقتصادي قصير الأجل، فإنها طرحت تساؤلات حول الاستدامة طويلة الأمد، خاصة مع تراجع دور المؤسسات التشريعية في صنع السياساتالاقتصادية. ويعكس هذا التوجه نزعة نحو تركيز السلطة التنفيذية على حساب التوازن المؤسسي؛ فشهدت السياسات الاقتصادية تحولاً جذريًا من النهج الليبرالي القائم على الانفتاح والتكامل الاقتصادي إلى استراتيجية حمائية ذات طابع تصادمي وهذا على النحو التالي:

1- السياسة التجارية والحمائية:

  ركزت إدارة الرئيس ترامب في عامها الأول على إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي عبر سياسات حمائية صارمة من خلال تبني خطاب اقتصادي تصادمي يستند على مبدأ تحرير أمريكا من الاعتماد الخارجي وعرفت هذه السياسات بسياسات يوم التحرير؛ فأعلنت الإدارة الامريكية في أبريل 2025 حزمة تعريفات جمركية واسعة شكلت تحولًا جوهريًا في السياسة التجارية الأمريكية، وعكست هذه القرارات الجمركية تحولًا بنيويًا يقوم على إرساء نموذج حمائي شامل يتجاوز منطق المعاملة بالمثل التقليدي، ويتأسس على إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة داخل النظام التجاري العالمي، وتم تبرير هذه الإجراءات الحمائية من خلال مفهوم الأمن القومي المطلق؛فقد فرضت رسومًا جمركية جديدة على واردات صناعية من الصين والاتحاد الأوروبي، في محاولة لتقليص العجز التجاري وتعزيز الإنتاج المحلي. غير أن هذه الإجراءات انعكست على ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة أسعار المستهلكين، وهو ما أدى إلى دفع معدلات التضخم إلى مستويات أعلى من مستهدفات الاحتياطي الفيدرالي.

ويمكن تفسير هذه السياسات باعتبارها محاولة لتعزيز استقلالية الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على الخارج، غير أن نتائجها العملية أضعفت شرعية الإدارة داخلياً بسبب الأثر المباشر على حياة المواطنين اليومية.

2- السياسات الضريبية:

 طبقت إدارة الرئيس ترامب الثانية سياسة التخفيضات الضريبية الواسعة للشركات والأفراد، والتي كان الهدف منها تحفيز الاستثمار المحلي وزيادة الإنفاق الاستهلاكي، ورغم أن هذه الإجراءات ساهمت في تنشيط الاقتصاد على المدى القصير، فإنها أدت إلى تفاقم عجز الموازنة الفيدرالية، وربط بعض المحللين هذه السياسات بمشروع "2025" المحافظ الذي يسعى إلى إعادة هيكلة الاقتصاد والمجتمع الأمريكي في اتجاه أكثر تقليدية، وهو ما يفسر الطابع الأيديولوجي لهذه الإجراءات.

3- السياسات المالية:

    خلال السنة الأولى من الولاية الثانية، تجاوزت السياسة المالية دورها التقليدي كأداة لإدارة الاقتصاد، لتصبح أداة تفاوض واستراتيجية سياسية منهجية، سواء عبر صراعات سقف الدين الفيدرالي أو من خلال الضغوط المباشرة على الولايات ذات المواقف المعارضة، ويعكس هذا التحول التسييسالمتزايد للموازنة الفيدرالية، فلم تعد أداة محايدة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، بل صارت ساحة لصراع أيديولوجي بين التيار المؤيد للرئيس ترامب والمؤسسات التقليدية.

  وفي هذا الإطار يُمثل قانون “One Big Beautiful Bill” تحولاً كبيراً في السياسة الضريبية الأمريكية، حيث اعتمد حوافز ضريبية وإنفاقًا حكوميًا إضافيًا، وساهم هذا القانون في دعم النمو الاقتصادي مؤقتًا، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من 2025 مدفوعًا بالاستهلاك والإنفاق الحكومي. غير أن هذا التحفيز المالي أثار مخاوف من زيادة العجز الفيدرالي على المدى الطويل، ما يضع الاقتصاد أمام تحديات تتعلق بالاستدامة المالية.

وفي السياق السياسي، يمكن النظر إلى هذا القانون باعتباره أداة لتعزيز الشرعية السياسية للرئيس عبر تحقيق مكاسب اقتصادية سريعة، لكنه في الوقت ذاته يعكس إشكالية العلاقة بين السياسات قصيرة الأجل ومتطلبات الاستقرار المالي طويل الأمد.

وفيما يتعلق بالأسواق المالية؛ فسجلت أداءً إيجابيًا نسبيًا، حيث ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 13.3% خلال العام الأول من الولاية الثانية، وهو أقل من أداء العام الأول في الولاية الأولى (24.1%). هذا التباين يعكس حالة من عدم اليقين التي سادت الأسواق نتيجة تهديدات ترامب المتكررة بفرض رسوم إضافية قبل أن يتراجع عنها جزئيًا. وأبرزت هذه التقلبات هشاشة الثقة الاستثمارية في ظل بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة.

 أيضا تدخل الرئيس ترامب في عمل بعض المؤسسات الاقتصادية، حيث أثارت سياساته المؤسسية جدلًا واسعًا، خاصة بعد إقالته لرئيس مكتب الإحصاءات العمالية إثر انتقاده بيانات البطالة، الأمر الذي أدى إلى تعليق نشر البيانات الرسمية لفترة طويلة، ليس هذا فحسب ففي مطلع عام 2026ألمح الرئيس ترامب إلى استبعاد رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي، أو استبداله بشخصية أكثر توافقًا مع رؤيته الاقتصادية. الأمر الذي مثل حدثًا استثنائيًا في التاريخ الاقتصادي الأمريكي، إذ شكلت خطوة غير مسبوقة في تقويض مبدأ استقلالية هذا البنك. وجاء هذا القرار في سياق خلافات متصاعدة حول توجهات السياسة النقدية، حيث ضغطت الإدارة الرئاسية بشكل مباشر من أجل خفض أسعار الفائدة بغية تحقيق نمو اقتصادي سريع على المدى القصير،ويمكن النظر إلى ذلك باعتباره نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والمؤسسات النقدية، وإشارة إلى إعادة تعريف حدود استقلالية هذه المؤسسات في ظل صعود النزعة القومية الاقتصادية.

       خلاصة القول شهد العام الأول من الولاية الثانية للرئيس ترامب مستوى غير مسبوق من تدخل الدولة في الاقتصاد ومؤسساته، حيث اتسمت السياسات بفرض رسوم جمركية حمائية، وإصدار عدد قياسي من الأوامر التنفيذية التي أعادت تشكيل بعض القطاعات الحيوية كالطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب إقرار حزم تحفيزية مالية ضخمة، لم يقتصر هذا التدخل على السياسات الاقتصادية فحسب، بل امتد إلى المؤسسات المستقلة مثل مكتب الإحصاءات العمالية و البنك الاحتياطي الفيدرالي، ما أثار جدلًا واسعًا حول تراجع الشفافية وتقويض استقلالية الأجهزة الاقتصادية. ويعكس هذا النهج نزعة قومية اقتصادية تسعى إلى تركيز السلطة التنفيذية وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق وتدخل الدول في الاقتصاد، على نحو يتعارض مع الصورة التقليدية للاقتصاد الأمريكي القائم على حرية السوق واستقلال المؤسسات.

  ومن ثم فإن السياسات الاقتصادية خلال ولاية ترامب الثانية جسدت امتداداً لاستراتيجية "أمريكا أولاً"، لكنها اتسمت بقدر أوضح من التشدد وقلة الاستقرار في التوجهات، الأمر الذي أدى إلى إعادة رسم ملامح العلاقات الاقتصادية الدولية.

 

ثانيًا سياسات الرعاية الصحية:

  وقع الرئيس ترامب خلال العام الأول من ولايته الثانية عشرات الأوامر التنفيذية المتعلقة بالشأن الصحي، التي لها الكثير من الآثار على الصعيدين الداخلي والدولي، فعلى الصعيد الدولي كان الأمر الخاص بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، أحد أبرز ملامح هذه السياسات ومثل ذلك تحولًا جذريًا في السياسة الصحية الخارجية للولايات المتحدة؛ فهذا الانسحاب لم يكن مجرد خطوة مالية لتقليص الإنفاق، بل حمل دلالات سياسية واضحة، إذ أراد الرئيس ترامب أن يؤكد أن الولايات المتحدة لن تتحمل أعباء التعاون الصحي الدولي، وبالفعل انسحبت الولايات المتحدة في يناير 2026 من هذه المنظمة.

   أما على الصعيد الداخلي فانتقد الرئيس ترامب نظام الرعاية الصحية مبررًا أن للولايات المتحدة نظام صحي عام لا يقدم أداء جيدا في أوقات الكوارث، بالإضافة إلى إنفاق الكثير من الأموال عليه أكثر مما تنفقه أي دولة أخرى في العالم، ومن ثم شرعت إدارته في إعادة صياغة سياسات التأمين الصحي بما يتماشى مع رؤية الحزب الجمهوري القائمة على المنافسة السوقية وتقليل الإنفاق الفيدرالي، وذلك من خلال تفكيك سياسات الرئيس بايدن السابقة.

وفي هذا السياق وقع الرئيس ترامب عددًا من الأوامر التنفيذية التي ستؤثر مستقبلاً على نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة بصفة عامة ومبادرات الرعاية الصحية المحلية بصفة خاصة، ويمكن تحليل هذا التحول عبر محورين رئيسيين:

1- المحور الأول اللامركزية وتفويض السلطات للولايات: وذلك من خلال

 منح الولايات صلاحيات موسعة في إدارة برامج ميديكيد (Medicaid) بما في ذلك فرض شروط العمل كمعيار للأهلية. هذا التوجه يعكس نزعة لتقليص 

دور "دولة الرفاه"

 لصالح نموذج يقوم على "

المواطنة التعاقدية"،

 حيث تربط المزايا الصحية بالإنتاجية الاقتصادية، وقد أدى ذلك إلى تفاوت ملحوظ في جودة الخدمات الصحية بين الولايات الجمهورية والديمقراطية، مما عمق الانقسامات الاجتماعية والسياسية.

2- المحور الثاني: تعزيز الحلول القطاعية الخاصة

: عبر تشجيع خطط التأمين قصيرة الأجل منخفضة التكلفة، حيث سعت الإدارة إلى تقويض هيمنة المعايير الفيدرالية على منظومة التغطية الصحية. وقد روج لهذا النهج باعتباره يعزز حرية الاختيار ويخفض التكاليف على الفئات الشابة والأصحاء.

 وفي هذا السياق استطاعت إدارة الرئيس ترامب من خلال اصدار الأوامر التنفيذية والقوانين إلى إحداث تغير جذري في السياسات الصحية من خلال إعادة هيكلة وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، عبر إلغاء عقود بمئات الملايين من الدولارات وتقليص برامج بحثية وصحية أساسية. هذا التوجه يعكس نزعة نحو تقليص الجهاز البيروقراطي، لكنه في الوقت ذاته أضعف قدرة المؤسسات الفيدرالية على الاستجابة للأزمات الصحية.  

أضف إلى ذلك تقييد عمل الوكالات الفيدرالية المرتبطة بالصحة وتخفيض الانفاق على برامج الرعاية الصحية الفيدرالية" ميديكير -ميديكيد- برنامج الرعاية الميسرة" وتسببت هذه السياسات في فشل مجلس الشيوخ في تمرير مشروع قانون التمويل الفيدرالي حيث تمسك الديمقراطيون بتمويل برامج الرعاية الصحية وتوسيعها، وأصروا على عدم تمرير أي قانون تمويل مؤقت للحكومة ما لم يتضمن تعديلات جوهرية على منظومة التأمين الصحي، وأدى ذلك إلى دخول الولايات المتحدة في أطول إغلاق حكومي في تاريخها، والذي استمر لمدة 43 يوماً (1 أكتوبر-12 نوفمبر) وتسبب في إحداث الجمود السياسي والشلل التام في كافة القطاعات الفيدرالية.

 ومن ثم انتقلت السياسات الصحية في الولاية الثانية للرئيسترامب من مرحلة المعارضة السياسية لقانون الرعاية الميسرة (ACA) إلى مرحلة التفكيك الهيكلي من الداخل؛ فقد تبنت الإدارة رؤية تهدف إلى تحويل الرعاية الصحية من التزام فيدرالي مركزي إلى نموذج تنافسي قائم على آليات السوق الحر. أيضًا جسدت تناقضًا بين الخطاب الشعبوي الذي يعد بحماية المواطن العادي وبين الممارسة الفعلية التي قلصت من قدرة الفئات الضعيفة على الحصول على خدمات التأمين. فضلا عن أن هذه السياسات عززت الدعم بين القاعدة المحافظة التي ترى في تقليص الإنفاق الفيدرالي خطوة نحو كفاءة أكبر، لكنها في المقابل ساهمت في تآكل التأييد بين الطبقة الوسطى والمستقلين الذين تأثروا مباشرة بتراجع الخدمات الصحية.

ثالثًا سياسات الهجرة:

   تنطلق سياسات الهجرة التي تبنتها إدارة الرئيس ترامب الثانية من التصورات الواردة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، والتي أعادت تأطير الهجرة بوصفها أحد مكونات البيئة الأمنية الداخلية، وربطت بين إحكام السيطرة على الحدود وقدرة الدولة على احتواء التهديدات غير التقليدية.

اتسمت سياسات إدارة ترامب الثانية تجاه الهجرة بتحول جوهري نحو نهج أمني صارم يستند على أولويات الأمن القومي، إذ تجاوزت الهجرة كونها مسألة قانونية أو اقتصادية لتصبح جزءًا مركزيًا من الاستراتيجية الأمن القومي. وقد تجسدت هذه السياسات عبر سلسلة من الأوامر التنفيذية، أبرزها الأمر التنفيذي رقم 14159، الذي ركز على تعزيز سلطات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) والحرس الوطني، وتسريع إجراءات الترحيل بحق المهاجرين غير النظاميين، وفرض قيود على استفادة "المدن الملاذ" من البرامج الاجتماعية، في خطوة تربط بين الأمن الداخلي والسيادة الوطنية.

وتزامنت هذه الإجراءات مع مراجعة وإعادة تقييم برامج الهجرة القانونية، بما في ذلك برنامج تأشيرات التنوع (Green Card Lottery)، وذلك في إطار سعي الإدارة لإغلاق الثغرات المؤسسية التي اعتبرت تهديدًا للأمن القومي، وضمان نظام هجرة أكثر ضبطًا ومراقبة.

والجدير بالذكر أن هذه الأوامر عكست اهتمام الإدارة بحماية الاقتصاد الوطني من المخاطر الخارجية، عبر مراقبة الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الاستراتيجية وربط سياسات التأشيرات بسوق العمل المحلي، ما يعكس اعتبار الهجرة عاملًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متشابكًا مع الأمن القومي، ليس هذا حسب بل عززت القيود على دخول مواطني الدول عالية المخاطر من منظور أمني" ليبيا- أفغانستان،وكشفت هذه الإجراءات عن طابع استباقي في التعاطي مع المخاطر، يهدف إلى الحد من تهديدات محتملة قبل وقوعها، سواء على صعيد الأمن الداخلي أو الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما يعكس فلسفة واقعية في إدارة السياسة الداخلية والأمنية.

ويشار إلى أن التوسع في صلاحيات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، وما صاحبه من تشديد وتسييس لسياسات إنفاذ الهجرة، أسهم في غموض الأطر المنظمة لاستخدام القوة وضعف آليات المساءلة المؤسسية، وقد انعكس ذلك في مقتل مواطنين أمريكيين برصاص ضباط من الوكالة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، وهو ما أدى بدوره إلى اندلاع موجة من الاحتجاجات ضد إجراءات الوكالة في بعض الولايات الأمريكية.

خلاصة القول إن إدارة ترامب الثانية صاغت سياسة هجرة شاملة، تجمع بين الإنفاذ الصارم والتشديد القانوني، والتحكم بالبرامج الرسمية، وتقييد الوصول من مناطق محددة، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو جعل الهجرة أداة سياسية واستراتيجية متكاملة ضمن إدارة الأمن القومي والاقتصاد الوطني.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن هذه السياسات عززت ولاء القاعدة الجمهورية لرئيس ترامب، لكنها في الوقت نفسه قللت من شعبيته بين المستقلين والديمقراطيين المعتدلين. هذا التوازن المتناقض يجعل الانتخابات النصفية المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة هذه السياسات على ترجمة الشعبية إلى مكاسب انتخابية.

 

رابعًا: تأثير السياسات الداخلية الأمريكية خلال عام2025 على شعبية الرئيس ترامب:

1- على مستوى 

السياسات الاقتصادية

 لعبت التخفيضات الضريبية وفرض الرسوم الجمركية دورًا مزدوجًا في تشكيل صورة الرئيس، حيث عززت شعبيته داخل القاعدة الجمهورية باعتباره مدافعًا عن المصالح الوطنية، لكنها أثارت مخاوف بين المستقلين والطبقات الوسطى نتيجة ارتفاع الأسعار والضغوط التضخمية المتزايدة. وساهم هذا التناقض في تثبيت قاعدة التأييد التقليدية، لكنه حد من قدرة الرئيس ترامب على جذب شرائح الناخبين غير التقليدية.2- 

سياسات

 

الرعاية الصحة

: جاءت محاولات تقليص الإنفاق على برامج الرعاية الصحية الحكومية في سياق اقتصادي واجتماعي شديد الحساسية، اتسم بارتفاع تكاليف العلاج وتزايد الضغوط التضخمية، الأمر الذي أسهم في تآكل ثقة قطاعات من الناخبين في قدرة الإدارة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية. وقد انعكس ذلك سلبًا على جاذبية الرئيس لدى الناخبين المستقلين والفئات الأكثر تضررًا من هذه السياسات، التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا للأمن الصحي والاجتماعي.3- سياسات الهجرة: أسهم التشدد في سياسات الهجرة، سواء عبر تشديد الرقابة على الحدود أو تقليص برامج اللجوء، في تعزيز الدعم المحافظ الذي يربط بين هذه الإجراءات وحماية الهوية الوطنية والأمن القومي. في المقابل، أثارت هذه السياسات انتقادات واسعة من الأقليات والمجموعات الليبرالية، ما أدى إلى تفاقم الاستقطاب السياسي وأضعف فرص توسيع قاعدة التأييد خارج القاعدة التقليدية.

   وختامًا، يمكن التأكيد على أن السياسات الداخلية التي تبناها الرئيس ترامب خلال الولاية الثانية ساهمت في تعزيز ولاء القاعدة الجمهورية، لكنها في الوقت نفسه قللت من شعبيته بين المستقلين والديمقراطيين المعتدلين. ويعكس هذا التوازن المتناقض أن الانتخابات النصفية المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة هذه السياسات على ترجمة هذاالدعم إلى مكاسب انتخابية ملموسة، كما أنها ستحدد إمكانية الإدارة في الحفاظ على استقرار شعبيتها ضمن بيئة سياسية متقلبة واستقطابية.

 

 

 

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء