رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تُعدّ المرحلة الثانية من مسار وقف إطلاق النار في حرب غزة مرحلة شديدة الحساسية؛ لأنها تمثل الانتقال من تهدئة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب إلى محاولة بناء وضع أكثر استقرارًا يمنع تجدد المواجهات. 

هذه المرحلة لا تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا سياسية وإنسانية وأمنية معقدة، تجعل نجاحها أو فشلها عاملًا حاسمًا في مستقبل الصراع داخل القطاع.

كان المتفق عليه أن ترتكز المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار على إيقاف العمليات القتالية، وتبادل الأسرى ورفات الجثامين لكلا الطرفين، وإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة والمستمرة بشكل كافٍ إلى قطاع غزة. 

أما المرحلة الثانية فتشمل التفاصيل الأصعب، وتأتي على رأسها ترتيبات الانسحاب العسكري، وضمانات عدم العودة إلى القتال، بالإضافة إلى فتح النقاش حول مستقبل إدارة غزة بعد الحرب. ولهذا السبب كانت هذه المرحلة بمثابة اختبارًا حقيقيًا لنية الأطراف في إنهاء الحرب أو الاكتفاء بتجميدها مؤقتًا.

ولكن غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين زاد من صعوبة الأمر؛ فإسرائيل تخشى أن يؤدي أي وقف طويل لإطلاق النار إلى منح الفصائل الفلسطينية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدراتها العسكرية، وفي المقابل ترى الفصائل الفلسطينية أن أي تهدئة لا تتضمن التزامات سياسية واضحة قد تُستخدم لاحقًا كغطاء لاستئناف العمليات العسكرية بشكل أشد قسوة، ما يجعل الضمانات الإقليمية والدولية هي العنصر الأساسي للدخول في المرحلة الثانية.

ولأن الملف الإنساني يشكل محورًا رئيسيًا في هذه المرحلة، فالتوقعات تتجه نحو زيادة حجم المساعدات، وتحسين وصول الغذاء والدواء، وبدء إعادة تشغيل الخدمات الأساسية بالقطاع، غير أن إعادة الإعمار تظل قضية محورية وسياسية على المستوى الدولي؛ كونها مرتبطة بمصادر التمويل الخارجي بشكل مباشر، وأيضًا بآليات الإشراف والجهات التي ستدير هذه العملية. 

وبالنظر إلى وجود تخوفات دولية من بعض دول العالم التي ستشارك في عملية تمويل إعادة الإعمار من أن يتم استغلال التمويل لصالح إعادة تسليح الفصائل بما يمكنها من فرض سيطرتها مرة أخرى على القطاع في المستقبل المنظور أو المتوسط، ففي المقابل يخشى الفلسطينيون من استخدام التمويل كورقة ضغط سياسي واجتماعي على القطاع.

أما على الصعيد الأمني فتأتي مسألة الانسحاب العسكري وترتيبات السيطرة الميدانية الإسرائيلية على القطاع على رأس تساؤلات حساسة حول مدى انسحاب القوات الإسرائيلية من داخل القطاع، وحدود هذا الانسحاب، وإمكانية الإبقاء على وجود أمني في مناطق معينة؛ حيث إنها في المجمل تُعد قضايا تمس بشكل مباشر مفهوم السيادة الفلسطينية، كما ترتبط في الداخل الإسرائيلي بمفهوم الأمن الإستراتيجي منعًا لتكرار الهجمات مرة أخرى.

أما قضية إدارة غزة بعد الحرب فتُعتبر من أكثر الملفات حساسية؛ فبالرغم من التوافق على استخلاص ما يُعرف باسم لجنة التكنوقراط المكونة من ١٥ عضوًا برئاسة المهندس عبد الحميد شعث لإدارة قطاع غزة فيما يخص النواحي الإنسانية – الطبية – الاجتماعية – التعليمية – الإدارات المحلية – مكاتب البلدية. 

إلا أن استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، التي تجاوزت ٢٠٠٠ اختراق وأسفرت عن سقوط أكثر من ٥٠٠ شهيد حتى الآن، يعرقل ويعيق دخول لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة حتى الآن، ويؤثر بالسلب المباشر على مجريات استمرار تنفيذ بنود الاتفاق، في ظل ملامح تعمد إسرائيلي واضح لتغيير مساره أو تعطيله من خلال استحثاث حركة حماس والفصائل الفلسطينية على المماطلة في نزع سلاحها وتفكيك البنية العسكرية لها، أحد أهم شروط المرحلة الثانية أيضًا، وبالتالي دك مسار التهدئة من الأساس، والسعي وراء مخططات إسرائيلية أخرى، اقترانًا بما يحدث في الضفة الغربية في الوقت الراهن.

وبالتحديد موافقة المجلس الوزاري السياسي الأمني الإسرائيلي بتاريخ 8 فبراير ٢٠٢٦ على حزمة قرارات بشأن تعديل الوضع القانوني لشراء/مصادرة الأراضي بالمنطقة بالضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية، لتؤول القرارات بما يُعرف باسم مكتب التجمع اليهودي بالضفة بدلًا من مكتب بلدية السلطة الفلسطينية بالخليل، الأمر المؤدي إلى توسيع دائرة الاستيطان اليهودي بالضفة، والإنهاء تمامًا لمقتضيات اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٥.

ومن هنا يأتي دور الوسطاء الإقليميين، على رأسهم مصر وقطر، ومعهم الضامن الأمريكي، في استمرار السعي إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره، مع محاولة الموازنة بين الضغوط السياسية والأمنية المتعارضة، غير أن مجهود الوسطاء يظل مرتبطًا بمدى فاعلية ضغط الولايات المتحدة الأمريكية على إسرائيل وإجبارها على الالتزام بما أتى بمقتضيات اتفاق شرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025.

ومن هنا فإن السيناريو الأرجح هو استمرار المفاوضات حول المرحلة الثانية بوتيرة بطيئة، مع تمديد ترتيبات التهدئة القائمة بدل الانتقال السريع إلى اتفاق شامل. وقد نشهد حالة من “الهدوء الهش”، حيث يبقى وقف إطلاق النار قائمًا لكنه قابل للاهتزاز في أي لحظة. 

أما السيناريو الأسوأ فيتمثل في فشل المرحلة الثانية والعودة إلى التصعيد العسكري، خاصة إذا تصاعدت الضغوط الداخلية على أي طرف.

في المحصلة، تمثل المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في حرب غزة مفترق طرق سياسيًا وأمنيًا؛ فإما أن تشكل بداية مسار أكثر استقرارًا يخفف معاناة المدنيين ويفتح باب الحلول السياسية، أو أن تتحول إلى محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء