رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين سقط الدب الروسي أمام شمس اليابان بسبب «راقصة»

حرب روسيا واليابان
حرب روسيا واليابان

 

 

لم يكن العالم مطلع القرن العشرين يتخيل أن قوة أوروبية مترامية الأطراف مثل روسيا ستسقط أمام دولة آسيوية صاعدة بالكاد أنهت إصلاحاتها الحديثة،  لكن ما جرى في حرب 1904 – 1905 بين روسيا القيصرية واليابان كان بمثابة زلزال سياسي وعسكري، أعاد رسم موازين القوى الدولية، وأرسل رسالة صادمة إلى كل عواصم الغرب: الإمبراطوريات القديمة ليست عصية على الهزيمة، في غضون شهور قليلة، تحولت اليابان من "تلميذ الغرب" إلى قوة بحرية هائلة، بينما انكشفت هشاشة الدب الروسي في واحدة من أكثر الهزائم إذلالًا في تاريخه.

 

صدمة مدوية 

الهزيمة الروسية أمام اليابان سنة 1904 – 1905 كانت بالفعل صدمة مدوية للعالم كله، ليس فقط لأنها أنهت أحلام الإمبراطورية الروسية في التوسع شرقًا، ولكن لأنها أول مرة في التاريخ الحديث تُهزم فيها قوة أوروبية كبرى أمام دولة آسيوية صاعدة.

 

خلفية الصراع

 

مع بداية القرن العشرين، كانت روسيا القيصرية تسعى لمد نفوذها في الشرق الأقصى، خصوصًا في منشوريا (شمال الصين) وكوريا، باعتبارهما مناطق استراتيجية تمنحها منفذًا إلى المحيط الهادئ، في المقابل، كانت اليابان  بعد إصلاحات ميجي  قد تحولت إلى قوة صناعية وعسكرية حديثة، تبحث عن الاعتراف بها كقوة عظمى، ولن تقبل بمنافس يشاركها النفوذ في شرق آسيا.

 

إبادة بحرية 

 

في فبراير 1904، شنت اليابان هجومًا مباغتًا على الأسطول الروسي في بورت آرثر (الآن في الصين)، الهجوم كان أشبه بصفعة غير متوقعة؛ البحرية الروسية لم تكن مستعدة، واليابانيون أظهروا تنظيمًا ودقة مدهشة، ولم تكن الهزيمة الروسية إلا نتيجة العديد من الأمور، أبرزها سوء الإدارة والفساد حيث أن القيادة الروسية عانت من بيروقراطية متضخمة وقرارات بطيئة، مقابل القيادة اليابانية التي كانت سريعة وفعالة.

 

أضف إلى ذلك المسافة الشاسعة حيث كانت روسيا مضطرة لإرسال إمداداتها وجنودها عبر آلاف الكيلومترات بالقطار السيبيري، بينما اليابان كانت تقاتل على أرض قريبة من قواعدها.

أما التفوق اليابان البحري فقد نجح الأسطول البحري الياباني بتدمير الأسطول البحري الروسي القادام من بحر البلطيق بعد رحلة طويلة مرهقة خلال ساعات فقط، غرقت أو استسلمت معظم السفن الروسية، في مشهد وصفه المؤرخون بأنه "إبادة بحرية".

 

أما عن روح الجنود اليابانيون فكانوا يقاتلون بروح وطنية عالية، بينما الروس عانوا من انهيار الروح المعنوية، خاصة مع تصاعد السخط الشعبي ضد القيصر نيقولا الثاني بسبب الفقر وسوء الأوضاع الداخلية.

 

انتهت الحرب بمعاهدة بورتسموث (1905) حيث اعترفت روسيا بهيمنة اليابان على كوريا وتنازلت عن نفوذها في جنوب منشوريا وجزء من سخالين، أما في الداخل الروسي فقد ساعدت الهزيمة في اندلاع ثورة 1905 التي أجبرت القيصر على تقديم تنازلات سياسية (مجلس الدوما).

إنها تحمل سفننا الحربية في أذنيها وأصابعها

 

 

إلا أنه مع نهاية الحرب، بحث الروس عن المسؤولين عن هذه الهزائم ووجهوا أصابع الاتهام نحو الدوق الأكبر ألكسي ألكسندروفيتش (Alexei Alexandrovich)، المولود عام 1850، خامس أطفال القيصر ألكسندر الثاني وزوجته الأولى ماريا، وعلى مدار سنوات عدة، لعب ألكسندروفيتش دورا محوريا في صلب البحرية الروسية، حيث أبرم صفقات التسلح واتجه للموافقة على برامج بناء سفن وتمويلها من خزينة الدولة، كما أيد في الوقت عينه مشاريع إعادة تهيئة الموانئ العسكرية، كذلك كلف في تلك الفترة، بمهمة تزويد البحرية الروسية بأقوى السفن الحربية وتحويلها لأهم قوة بحرية في العالم.

 

إلا أن حياة ألكسندروفيتش لم تخل من الفضائح، حيث اتهم هذا الأميرال في أكثر من مناسبة بإهدار المال العام وسرقة أموال البحرية لخدمة مصالحه الشخصية، كما اتهم ألكسي بالخيانة الزوجية حيث ارتبط اسمه بالراقصة، ولاعبة الباليه، إليزابيث باليتا (Elizabeth Balletta).، وبسبب ذلك، أساء الدوق الأكبر لصورة عائلته خاصة مع انتشار قصة هذه العلاقة بين عامة الشعب.

 

عاشت روسيا، عقب الحرب، على وقع ثورة العام 1905 التي عبر خلالها الروس عن رفضهم لنتائج الحرب مع اليابان وتدهور الحياة الاجتماعية، بالتزامن، فتحت تحقيقات حول المسؤولين عن الهزيمة ضد اليابان، فيما برز اسم ألكسي ألكسندروفيتش.

 

فحسب مصادر تلك الفترة، امتلك الأخير قصرا هائلا بباريس عاش فيه برفقة عشيقته التي تجول معها بشوارع العاصمة الفرنسية دون أن يشعر بالإحراج، كما أهدى الدوق الكبير الروسي عشيقته أيضاً مجوهرات باهظة الثمن، فضلا عن ذلك، تحدثت التقارير عن اختفاء نحو 30 مليون روبل سنة 1903، وهو المبلغ الذي يعادل نصف ميزانية البحرية، بشكل غامض دون أن تحصل البحرية الروسية على أية سفينة جديدة في تلك الفترة.

وفي سنة 1905، ظهرت الراقصة إليزابيث باليتا على أحد المسارح بسانت بطرسبرغ، مرتدية كميات هائلة من المجوهرات، ومع مشاهدتهم لهذا المظهر، باشر الجمهور بالصراخ قائلين "إنها تحمل سفننا الحربية في أذنيها وأصابعها، ليتم عزل ألكسندروفيتش من منصبه، بحلول شهر يونيو 1905، الذي انتقل لاحقاً للعيش في باريس حيث توفي عام 1908.

 

هزيمة روسيا أمام اليابان لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل زلزال كشف ضعف الإمبراطورية الروسية، وفتح الطريق أمام بزوغ نجم اليابان كقوة عظمى جديدة، وترك وصمة عار في التاريخ الروسي القيصري.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء