رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"اللت والعجن" من صفات أصحاب الجينات الخبيثة. "شهوة الكلام" قاسية لا يقدر عليها ويقومها ويهذبها إلا القليل..
لا يسيطر عليها إلا كل ذي حظ عظيم من أصحاب الجينات الأصلية.

"اللت والعجن" ظاهرة تستحق التأمل والدراسة.. فالكل خبير في كل شيء.. والكل يعلم بواطن الأمور وليس ظاهرها فقط.

مواقع التواصل الاجتماعي أطلقت مارد "اللت والعجن" بداخل الناس.. حولت العالم إلى "مكلمة كبيرة" لا بد أن تُدلي برأيك في كل شيء، ما تفهمه وما لا تفهمه.. وكأن هناك من يقف خلفك بالكرباج صارخًا: "ما كتبتش ليه!".. ما قلتش رأيك وأصريت على أنه الصواب والباقي خطأ ليه؟

"اللت والعجن" على مواقع التواصل الاجتماعي حرمتنا من فضيلة الحوار.. سماع الآخر.. مناقشته.. وضعت أصحاب الجينات الخبيثة في صدارة المشهد.. في الظاهر يقودون حوارًا، وفي الباطن ببغاوات كبيرة.. طبعًا الكثير من هذه الببغاوات تقول ما يُملى عليها أملًا في إلهاء أو أملًا في ركوب تريند.. فيصير الأمر – أي أمر – حتى لو كان تافهًا، إلى الأكثر شيوعًا وغموضًا في وقت واحد..
الأكثر شيوعًا لأن الجميع يقول رأيه ويدافع عنه باستميتة.. والأكثر غموضًا لأنك لن تفهم أبدًا ماذا يقولون.. لن تفهم أبدًا كيف يُدار "الترند" وعملية الإلهاء.. ولن تفهم أبدًا الاهتمام الكبير بتوافه الأمور والإصرار عليه.. وستقف عاجزًا أمام تدافع الناس للمشاركة بكثافة مرعبة في عملية إلهائهم واستهلاك الوقت.

"اللت والعجن" سيف كبير في يد الجهلة والغوغاء والعامة.. سيف يذبح بسرعة فائقة بلا تفكير أو تدبير.. سيف قتل من قبل أول فيلسوفة في التاريخ "هيباتيا"، والتي كانت واحدة من أصحاب الجينات الأصلية التي تحدت الجهل ووقفت بقوة في وجه استهلاك الناس والوقت والجهد في "تريندات" تافهة ليظلوا تحت السيطرة والسلطة الدينية، يواصلون حياتهم كببغاوات تقول كلامًا لا تفهمه.

"هيباتيا" كانت فتاة جميلة تعيش في الإسكندرية، عرفت فضيلة العلم والبحث.. محاضراتها التي يُقبل عليها الشباب والمثقفون بشغف وحب باتت طريق نور وأمل.. أول امرأة يلمع اسمها كعالمة في الرياضيات والفلسفة.. ازداد الإقبال على أفكارها يوميًا.. لكن للأسف كانت تعيش مأساة فظيعة بسبب الجهل والتخلف.. حرب "اللت والعجن" التي تُدار ضدها بشراسة.. والتهمة جاهزة دائمًا: ساحرة، كافرة، ملحدة.

"اللت والعجن" والمكلمة التي تضخمت صنعت سيفًا كبيرًا من الغوغاء والدهماء والعامة، فتشكلت فرقة قتل مدربة لمراقبتها في كل مكان.. يحضرون جلسات العلم التي تعقدها ليتعلموا الرياضيات أو الفلسفة من الفتاة الجميلة الشهيرة التي يحبها الجميع، ووهبت هي نفسها للعلم قائلة: "لقد تزوجت الحقيقة"... وفي الوقت نفسه ينتظرون الفرصة المناسبة للفتك بها.. وحتى تأتي هذه الفرصة يستهلكون وقتهم ورؤوسهم الفارغة في كتابة التقارير.. يفتشون في ضميرها، في كل كلمة وإيماءة.. يضيقون الخناق على الجميلة المتواضعة التي لا تحب الظهور وتعرف فضيلة التفكير والصمت والتأمل والحياة في محراب العلم.. يؤولون كلامها ويقدموه لماكينات اللت والعجن الجاهزة دائمًا لإشعال المزيد من النار بحجة الدفاع عن الدين.

"اللت والعجن" المكلمة التي أحاطت الجميلة الهادئة من كل جانب حولت حياتها إلى جحيم لا يُطاق.. وحولتها أيضًا إلى رمز وأسطورة حية تعيش بيننا حتى الآن.

"هيباتيا" في ليلتها الأخيرة عام 415 ميلادية.. ألقت محاضرتها كالعادة.. امتلأت القاعة بشباب يبحث عن أمل حقيقي.. طرحت أفكارًا ورؤى فلسفية جديرة بفتح نقاشات حولها.. لكن لم يكن أحد مستعدًا للنقاش.. ماكينات اللت والعجن كسبت المعركة.. كثيرون رأوها ملحدة كافرة تستحق الحرق.. وهتفوا ضدها!

في الليلة الأخيرة كانت فرقة القتل حاضرة، استمعت لكلام الجميلة متوهجة العقل ولم تفهم.. فرقة القتل الجاهزة على مدار التاريخ، حتى لم تهتم بكتابة تقاريرها الأخيرة، فكل شيء قد تم إعداده للنهاية الدموية المأساوية، وانتهى الأمر.

عادت هيباتيا في عربة يجرها حصانان، هادئة تتأمل الطريق للبيت، وفجأة تهاجمها فرقة القتل المدربة المنتظرة اللحظة بفارغ الصبر، فبها يتقربون إلى الله كما أوهمهم أسيادهم.. يجروها في الشارع.. تعتدي الأيادي الآثمة عليها وهي صامتة وكأنها كانت تعرف النهاية.. يتمادى القتلة ويجردوها من ملابسها، يربطون يديها بحبل خشن ويطوفوا بها في الشوارع معلنين انتصارهم على العقل والفكر.. ينهالون على جسدها الضعيف بالضرب.. ثم يقررون بوحشية شديدة سلخ جلدها.. يتقدم أحدهم لذبحها، ثم ينهال الباقون على تقطيع الجسد الضعيف المستسلم قطعة بعد الأخرى.. يجمعون القطع المتناثرة ويشعلون نارًا لإحراقها بالكامل.

انتصر "اللت والعجن" على العقل والفكر.. ماتت هيباتيا الجميلة دفاعًا عن أفكارها ومحاولاتها التصدي للجهل والخرافة.. ماتت نعم، لكن ظلت حية إلى الآن بأفكارها.. فيما لا أحد يتذكر قاتليها أو من حرّضوهم وساعدوهم "بالمكلمة" الظالمة التي اتهمتها بالسحر والكفر والإلحاد.

ماتت "هيباتيا" وانتشرت ظاهرة اقتحام عناصر للجماعات المتطرفة مكتبة الإسكندرية التي كانت صرحًا من صروح العلم، وانتشرت ظاهرة الاعتداء على المعابد الإغريقية والرومانية، وهدم التماثيل وحرق الأبحاث العلمية والخرائط بنفس التهمة: تحض على الكفر والإلحاد!!

اعلم أنه "كلما علا صوتك وزاد منسوب صراخك كنت برميلًا فارغًا يصدر أصواتًا عالية كلما استخدمه أحد للتطبيل".. واعلم أنك لا تملك من الأمر إلا الضجيج.

اعلم أنه ليس عيبًا ألا تكون عارفًا أو مطلعًا بدقة على قضية أو موضوع معين، لكن العيب كل العيب أن تكون أداة "وإمعة"، ببغاء ملونة زاهية الريش تردد ما يُملى عليها بلا فهم ولا فكر.. ببغاء تعمل بضغطة زر.. صدقني، ليس مطلوبًا منك أن تُفتي في كل شيء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء