"وعد نتنياهو بإسقاط حماس في غزة، لكنه في الواقع اختار إسقاط السلطة الفلسطينية"
بهذه الكلمات القاسية وصفت "حركة السلام الآن الإسرائيلية" قرار الكابينت الإسرائيلي، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث وصفت ما قامت به الحكومة الإسرائيلية بأنها خطوة مجنونة. ففي خطوة جريئة وفاضحة لمخطط الضم القسري للأراضي الفلسطينية، وخاصة الضفة الغربية، اتخذ الكابينت قرارًا بنسف اتفاق الخليل الموقع عام 1997 بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وقد أعقب ذلك تقسيم مدينة الخليل إلى منطقتين: منطقة هـ 1 (H1) والتي تشكل 80% من المساحة الكلية لمدينة الخليل وتخضع للسيطرة الفلسطينية، ومنطقة هـ 2 (H2)، وتشكل 20% من مساحة الخليل، بقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، فيما نُقلت الصلاحيات المدنية للسلطة الفلسطينية.
فقد احتوى الاتفاق على 23 بندًا، وكان أبرز ما جاء فيه: تقسيم الخليل إلى منطقتين (هـ 1) و(هـ 2)، حيث يتولى البوليس الفلسطيني مسؤولياته في منطقة (هـ 1)، وتحتفظ إسرائيل بجميع المسؤوليات والصلاحيات للنظام العام والأمن الداخلي في منطقة (هـ 2)، وبالإضافة ستستمر في تحمل مسؤولية الأمن العام للإسرائيليين، والوجود الدولي المؤقت في الخليل، ويحدد الطرفان طرق عمل هذه الوحدات بما في ذلك العدد ومنطقة العمل، وتأكيد الطرف الفلسطيني على التزامه بمكافحة ما يسمى بالإرهاب ومنع العنف، وتعزيز التعاون الأمني بين المنظمة الفلسطينية وإسرائيل ومنع التحريض والدعاية المعادية.
إلا أن الخطوات التصعيدية التي اتخذها الكابينت وأعلن عنها وزيرا الدفاع يسرائيل كاتس والمالية بتسلئيل سموتريتش، في بيان مشترك، أن المجلس الوزاري الأمني "الكابينت" صادق عليها، والتي من شأنها تطبيق سيطرة شبه مطلقة لإسرائيل على الضفة الغربية. ومن المتوقع أن تُحدث هذه الإجراءات، التي وافق عليها "الكابينت"، تغييرات جذرية في إجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات في الضفة الغربية، مما يُمكّن إسرائيل من هدم المباني المملوكة للفلسطينيين في المنطقة (أ). وفي حين تخضع المناطق "ج"، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، فإن المناطق "ب" تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، أما المناطق "أ" فتخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية. لكن الحكومة الإسرائيلية تلغي شيئًا فشيئًا الصلاحيات الفلسطينية في المناطق "أ" و"ب"، ليأتي القرار الجديد اليوم ليعلن السيطرة شبه المطلقة لإسرائيل على الضفة الغربية. ومن الناحية العملية تُمثل هذه الخطوات خطوة واسعة في مسيرة تعزيز السيادة التي يسعى قادة المستوطنات إلى إتمامها قبل الانتخابات المتوقعة في أكتوبر/تشرين الأول.
بيد أن "هذه القرارات تُعتبر معقدة من الناحية القانونية، ومن المتوقع أن تُؤدي إلى توسع كبير في الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية"، وتبدو الخطورة من هذا القرار، والتي تتعلق بملكية الأراضي، هي رفع السرية التي كانت سارية لفترة طويلة عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية، وستُتيح هذه الخطوة إمكانية الاطلاع على السجلات، مما يسمح للمشترين المحتملين بتحديد مُلاك الأراضي والتواصل معهم مباشرةً. وحتى الآن، كانت عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية سرية. بالإضافة إلى ذلك، ألغى "الكابينت" قانونًا يحظر بيع الأراضي للأجانب، وألغى شرط الحصول على تصريح لإتمام الصفقة. علمًا بأنه حتى الآن، كان بيع الأراضي لغير العرب محظورًا، ما يعني أن اليهود لم يكن بإمكانهم شراء الأراضي إلا من خلال شركات مسجلة محليًا، وليس كأفراد. وبموجب القرارات الجديدة، أُزيلت معظم العوائق أمام شراء الأراضي.
كما ألغى "الكابينت" التشريع الذي كان يشترط الحصول على ترخيص خاص للمعاملات العقارية، ولن تتطلب عمليات الشراء في الضفة الغربية إشرافًا من السلطات المختصة في الإدارة المدنية، بل يكفي استيفاء معايير التسجيل المهني الأساسية. ومن المتوقع أن يُتيح هذا التغيير لليهود امتلاك العقارات بأقل قدر من الإجراءات البيروقراطية. فبموجب الإجراءات الجديدة، ستُنقل سلطة التخطيط والبناء للمستوطنات اليهودية، بما في ذلك في الحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل التابعة للسلطة الفلسطينية إلى السلطات الإسرائيلية. وحتى الآن، كانت أي تغييرات إنشائية تتطلب موافقة كل من البلدية والإدارة المدنية، أما الآن فستكون الموافقات من المؤسسة الأمنية فقط. وبمجرد نقل السلطة، يُتوقع إزالة عقبات كبيرة، ما يمهد الطريق لتوسع كبير في الوجود اليهودي في المدينة.
كما أن نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مدينة الخليل، بما فيها محيط الحرم الإبراهيمي، إلى ما يُعرف بالإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، إلى جانب تحويل البؤر الاستيطانية إلى سلطات محلية مستقلة، يشكل إفراغًا متعمدًا لاتفاق الخليل من مضمونه، وخطوة متقدمة نحو ضم فعلي للخليل وبيت لحم وأجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وتعد هذه القرارات مخالفة لكل الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وكذلك للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية، وانتهاكًا صارخًا لاتفاقية أوسلو واتفاق الخليل، ومحاولة إسرائيلية مكشوفة لشرعنة الاستيطان ونهب الأراضي، وهدم ممتلكات المواطنين الفلسطينيين، حتى في المناطق الخاضعة للسيادة الفلسطينية. كما تؤدي إلى تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية المحتلة، مما يؤدي إلى تقليص دور السلطة الفلسطينية في إدارة الضفة الغربية، وتكون ضمن مخطط إسرائيل في القضاء على حلم إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، فضلًا عن كونها مخالفة لاتفاق شرم الشيخ، الذي أكد على خلق أفق سياسي للحوار الفلسطيني الإسرائيلي من أجل دعم الدولة الفلسطينية