سياسية صينية: انخفاض إمدادات النفط الفنزويلي ينعكس سلبًا على بكين|حوار
في وقت يعاد فيه تشكيل موازين القوى العالمية، وتتحول فيه سياسة "الضغوط القصوى" الأمريكية إلى وقود يشعل جبهات من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية؛ تبرز بكين كلاعب لا يكتفي بالمشاهدة، بل يصيغ قواعد جديدة للعبة، فهل أصبحت الصين “صمام الأمان” الأخير للدول المحاصرة؟ وكيف تتقاطع مصائر طهران وكاراكاس مع طموحات بيونج يانج في كسر الهيمنة الغربية؟، حاورت “إيجبتك” الكاتبة والمحللة السياسية الصينية سعاد ياي شين هوا، لتفكيك شفرات هذا التحالف غير المعلن وإعادة قراءة المشهد من منظور التنين الصيني، وإلى نص الحوار:
انخفاض إمدادات النفط الفنزويلي سينعكس سلبًا على بكين
ماذا عن الدور الصيني حالياً جراء الغطرسة الأمريكية مع إيران؟
في ظل استمرار الضغوط الأمريكية على إيران وفنزويلا، تلتزم الصين دائمًا بموقف موضوعي وعادل، وتمارس مسؤولياتها كدولة كبرى مسؤولة، لتصبح قوة محورية في موازنة الهيمنة والدفاع عن العدالة الدولية.
في القضية الإيرانية، تُعدّ الصين من أبرز الداعمين للحلول متعددة الأطراف. وبصفتها طرفًا أساسيًا في مفاوضات الملف النووي الإيراني، أسهم المبدأ الذي طرحته الصين والقائم على "الخطوات المتبادلة والمتزامنة" في كسر الجمود بين الولايات المتحدة وإيران حول رفع العقوبات، ما مهّد الطريق للتوصل إلى الاتفاق الشامل عام 2015.
وبعد انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق وتصعيدها للعقوبات، واصلت الصين جهود الوساطة والدفع نحو الحل السياسي، كما ساهم اجتماع الصين وروسيا وإيران في بكين عام 2025 في تعزيز التوافق على حل النزاع عبر الحوار. وفي الوقت نفسه، قدّمت الصين دعمًا عمليًا لإيران من خلال التسويات بالعملات المحلية والتعاون في مجال الطاقة، ما ساعد طهران على التخفيف من آثار العقوبات وصون حقها المشروع في الاستخدام السلمي للطاقة النووية والتنمية الاقتصادية.
ومن خلال دورها في تسهيل المصالحة السعودية–الإيرانية لتهيئة مناخ إقليمي أكثر استقرارًا، إلى تقديم تعاون غير مشروط سياسيًا لمساعدة فنزويلا على تجاوز أزماتها، تؤكد الصين التزامها الدائم بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ورفضها القاطع للعقوبات الأحادية والتدخل العسكري، وتشديدها على أن الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد لحل النزاعات الدولية.
برأيك كيف ساهمت الآليات الاقتصادية الصينية في دعم فنزويلا لمواجهة سياسة الضغوط القصوى والحصار الغربي؟
في الأزمة الفنزويلية، شكّلت الصين سندًا قويًا لسيادة الدولة وحماية معيشة الشعب. فبعد التحرك العسكري الأمريكي على فنزويلا عام 2026، أدانت الصين على الفور هذه الممارسات التي وصفتها بالهيمنية، ودفعـت مجلس الأمن إلى التركيز على جوهر الأزمة، موفرةً لفنزويلا دعمًا قانونيًا وسياسيًا في الدفاع عن سيادتها. وعلى الصعيد الاقتصادي، أسهمت آليات التعاون الصيني–الفنزويلي، مثل القروض المضمونة بالنفط ومشاريع البنية التحتية، في الحفاظ على شريان الحياة الاقتصادي للبلاد في ظل الحصار الغربي، وأصبحت ركيزة أساسية في مواجهة سياسة الضغوط القصوى.
هذا الدور المزدوج القائم على "تشجيع الحوار وصناعة السلام + التمكين العملي عبر التعاون" لا يوسّع فقط هامش الحركة أمام الدول الواقعة تحت الضغوط، بل يضخ أيضًا قدرًا مهمًا من الاستقرار في النظام الدولي، ويجسّد القيمة العملية لمبادرتي الأمن العالمي والتنمية العالمية، ويبرز مكانة الصين كقوة موازِنة و"صمام أمان" في مسار التعددية القطبية.
هل ستأثر الصين بالحصار الأمريكي على النفط الفنزويلي؟
قد يكون للضغط الأمريكي على فنزويلا تأثيرات محتملة على إمدادات النفط إلى الصين، إلا أن حجم هذا التأثير يبقى مرتبطًا بعدة عوامل تتعلق بتوازنات سوق النفط العالمي، وسياسات الطاقة الصينية، وقدرة بكين على التكيّف مع المتغيرات الدولية.
أولًا، من حيث التأثير المباشر، فإن انخفاض إمدادات النفط من فنزويلا قد ينعكس على الصين، التي كانت خلال السنوات الماضية من أكبر مشتري النفط الفنزويلي. وعلى الرغم من التراجع الكبير في إنتاج فنزويلا النفطي بسبب العقوبات والأزمات الداخلية، فإن الصين واصلت استيراد كميات مهمة من النفط الفنزويلي، سواء بشكل مباشر أو عبر ترتيبات تجارية خاصة، وإذا تم توجيه جزء كبير من هذه الكميات إلى الولايات المتحدة، فقد تجد الصين نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر بديلة لتغطية جزء من احتياجاتها، وهو ما قد يفرض عليها تكاليف إضافية على المدى القصير.
ثانيًا، هناك التأثير غير المباشر عبر سوق النفط العالمي، أي تغير مفاجئ في تدفقات النفط الفنزويلي يمكن أن يؤدي إلى اضطراب نسبي في السوق، وقد يدفع الأسعار العالمية إلى الارتفاع. وبالنسبة للصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن ارتفاع الأسعار يعني زيادة في تكاليف الاستيراد، ما قد يضغط على بعض القطاعات الاقتصادية، خاصة الصناعات الثقيلة والنقل والطاقة. ومع ذلك، فإن الصين تمتلك أدوات مالية واقتصادية تمكّنها من امتصاص جزء كبير من هذه الصدمات السعرية.
لكن في المقابل، لا تعتمد الصين على فنزويلا كمصدر وحيد أو رئيسي لتأمين احتياجاتها النفطية. فبكين تتبع منذ سنوات استراتيجية واضحة تقوم على تنويع مصادر الطاقة، حيث تستورد النفط بكميات كبيرة من الشرق الأوسط، وروسيا، وأفريقيا، وآسيا الوسطى. كما تستثمر بشكل واسع في مشاريع الطاقة والبنية التحتية النفطية في هذه المناطق، ما يمنحها مرونة عالية في إعادة توجيه وارداتها عند حدوث أي اضطراب في مصدر معين.
إضافة إلى ذلك، تعمل الصين على تقليص اعتمادها الهيكلي على النفط المستورد من خلال تطوير الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية، إلى جانب التوسع في السيارات الكهربائية وتحسين كفاءة استخدام الطاقة. هذه السياسات لا تقلل فقط من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بأسواق النفط، بل تعزز أيضًا أمن الطاقة الصيني على المدى الطويل.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن القرار الأمريكي قد يفرض بعض التحديات على الصين في الأجل القصير، سواء من حيث إعادة ترتيب مصادر الاستيراد أو التعامل مع تقلبات الأسعار، إلا أن استراتيجية التنويع، والقدرة التفاوضية العالية، والاستثمار المتواصل في الطاقة النظيفة، تمنح الصين هامشًا واسعًا للتكيّف مع هذه المتغيرات، وتحدّ بشكل كبير من تأثيرها على استقرار سوق النفط لديها وعلى أمنها الطاقوي بشكل عام.

ما هي المساعدات التي يمكن أن تقدمها بكين لدعم الدولتين؟
في التعامل مع التوترات والمخاطر الأمنية الناجمة عن استمرار الضغوط الأمريكية على إيران وفنزويلا، يتمثل الدور الأساسي للصين والمساعدات المقدمة من الصين ليس في تصعيد المواجهة، بل في تهدئة الأوضاع، وحماية السيادة، ودفع مسار الحوار، والحفاظ على استقرار حياة الشعوب.
على الصعيد الدبلوماسي، تواصل الصين الدفع نحو الحلول السياسية. فيما يخص الملف الإيراني، تؤكد بكين على أن التفاوض هو الطريق الأساسي، مستندة إلى مبدأ "الخطوات المتبادلة والمتزامنة"، من أجل إعادة جميع الأطراف إلى مسار حوار عملي وقابل للتنفيذ، ومنع تحويل القضية النووية إلى مواجهة عسكرية أو صراع مفتوح. كما يمكن للصين أن توفر منصات للتواصل والحوار.
أما على الصعيد متعدد الأطراف، فتعتمد الصين على منظومة الأمم المتحدة لإعادة القضايا إلى إطار القانون الدولي وقواعد النظام الدولي. فهي تشدد في مجلس الأمن والجمعية العامة على احترام سيادة الدول، ورفض العقوبات الأحادية والتهديد باستخدام القوة، لمنع احتكار القضايا الدولية من قبل قلة من الدول واستخدامها كأدوات سياسية. وهذا يمنح إيران وفنزويلا دعمًا قانونيًا ومعنويًا، ويسهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في النظام الدولي.
وعلى الصعيد الاقتصادي والإنساني، تستطيع الصين أن توفر وسادة حماية واقعية ومستدامة. فمن خلال التعاون في مجال الطاقة والتجارة ضمن الأطر القانونية، واعتماد التسويات بالعملات المحلية، والتعاون مع أسواق ثالثة، يمكن تخفيف آثار الضغوط المالية والتجارية. كما أن توجيه الاستثمارات والتعاون نحو قطاعات الكهرباء، والرعاية الصحية، والأمن الغذائي، والنقل، يساعد على تعزيز قدرة الدولتين على الصمود وتقليل الأضرار الواقعة على حياة المواطنين.
في الملف الإيراني، ينصب تركيز الصين على تشجيع التفاوض، وتهدئة البيئة الإقليمية، وحماية الحقوق المشروعة.
أما في حالة فنزويلا، فيبرز التركيز على رفض التدخل الخارجي، والدفاع عن السيادة، وحماية الاستقرار المعيشي، لمنع تحوّل سياسة الضغوط القصوى إلى أزمة إنسانية ونظامية شاملة.
وبصورة عامة، تقوم المساعدة الصينية لإيران وفنزويلا على نموذج مزدوج يجمع بين تشجيع الحوار وصناعة السلام من جهة، والدعم العملي المستدام من جهة أخرى. فهي لا تعتمد على التحالفات العسكرية أو منطق المواجهة، بل تستخدم أدوات الدبلوماسية والتعددية والتعاون الاقتصادي لإعادة الأزمات من حافة الانفلات إلى نطاق السيطرة، بما يمنح الدول المعنية مساحة أساسية للأمن والتنمية، ويضخ قدرًا من الاستقرار والعقلانية في المشهد الدولي.

كيف ترين دور كوريا الشمالية من الأحداث في إيران وفنزويلا؟
أولًا، موقف كوريا الشمالية يعزّز الزخم السياسي لما يُسمّى بـ"معسكر مناهضة الهيمنة" في نطاق العالم، فكوريا الشمالية تعيش منذ زمن طويل تحت منظومة العقوبات الأمريكية، ولديها تجربة مباشرة مع "العقوبات الأحادية" و"سياسة الضغوط القصوى"، ولذلك فإن موقفها من قضيتي إيران وفنزويلا يحمل بطبيعته نوعًا من "التقاطع البنيوي في التجربة والمصير، وتصريحاتها العلنية ودعمها الدبلوماسي يعززان سردية مفادها أن ما تمارسه الولايات المتحدة من عقوبات وتهديدات ليس حالة استثنائية أو فردية، بل هو نمط بنيوي من السلوك الهيمني.
وهذا النوع من الصدى السياسي يوسّع هامش الحركة الإعلامية والدبلوماسية لكل من إيران وفنزويلا، ويضيف بعدًا إضافيًا إلى معركتهما في الفضاء الدولي.
ثانيًا، وجود كوريا الشمالية يفرض على الولايات المتحدة تأثيرًا تقييديًا استراتيجيًا، فعلى الرغم من أن بيونغ يانغ لا تتدخل مباشرة في شؤون أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط، إلا أنها تبقى عاملًا أمنيًا بالغ الحساسية بالنسبة لواشنطن في منطقة شمال شرق آسيا، وهذا يعني أن الولايات المتحدة، عند ممارستها الضغوط على إيران وفنزويلا، لا تستطيع أبدًا أن توجّه كل مواردها وقدراتها الاستراتيجية نحو هاتين الساحتين، لأن الملف الكوري الشمالي بحد ذاته يشكّل عبئًا استراتيجيًا دائمًا عليها، ومن منظور توازنات القوى الكبرى، فإن هذا النوع من الكبح غير المباشر يمتلك قيمة استراتيجية واقعية.
ثالثًا، تمثّل كوريا الشمالية نموذج بقاء للدول الخاضعة للعقوبات فقد نجحت، رغم العقوبات القاسية وطويلة الأمد، في الحفاظ على الحد الأدنى من عمل مؤسسات الدولة واستمرارية المجتمع، وتجربتها توفّر لإيران وفنزويلا بعض الدروس العملية، مثل:كيف يمكن الحفاظ على إدارة الدولة في ظروف الحصار،وكيفية تأمين الطاقة والغذاء،وكيفية الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي تحت ضغط خارجي شديد، وهذه الخبرة لا تتعلق باختراق نظام العقوبات بقدر ما تتعلق ببناء قدرة على الصمود والاستمرار.
هل يمكن أن تكرر كوريا الشمالية تجربتها في اوكرانيا وترسل قوات لدعم الدولتين؟
من غير المرجّح أن تقوم بيونغ يانغ بتقديم دعم عسكري مباشر أو واسع النطاق لفنزويلا أو لإيران. فإمكانات كوريا الشمالية في هذا المجال محدودة، سواء من حيث القدرة اللوجستية أو من حيث الكلفة السياسية والدبلوماسية التي قد تترتب على أي خطوة من هذا النوع.
أولًا، كوريا الشمالية نفسها تخضع لأشد أنظمة العقوبات الدولية، وأي مساعدة عسكرية خارجية ستُعدّ خرقًا مباشرًا لهذه العقوبات، ما قد يؤدي إلى تشديد الضغوط عليها وزيادة عزلتها الدولية. ومن غير الواقعي أن تُغامر بيونغ يانغ بتوسيع دائرة المواجهة في وقت تركز فيه على حماية أمنها الداخلي وموازنتها الاستراتيجية في شبه الجزيرة الكورية.
ثانيًا، العامل الجغرافي يشكل عائقًا كبيرًا. فالمسافة الشاسعة بين كوريا الشمالية وكل من إيران وفنزويلا تجعل أي نقل عسكري فعلي، سواء للأسلحة أو للأفراد أو للإمدادات، أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا عمليًا. كوريا الشمالية لا تمتلك قدرات عسكرية عابرة للقارات تسمح لها بدعم عمليات خارج نطاقها الإقليمي.
ثالثًا، الأولوية الأمنية لبيونغ يانغ تبقى دائمًا في شرق آسيا. مواردها العسكرية موجهة أساسًا لردع التهديدات التي تراها مباشرة ضدها، وليس للدخول في صراعات بعيدة جغرافيًا قد تستنزف قدراتها دون عائد استراتيجي واضح.
رابعًا، دور كوريا الشمالية في قضايا إيران وفنزويلا يظل في الإطار السياسي أكثر منه العسكري. فهي تعبّر عن دعمها عبر الخطاب الدبلوماسي والإعلامي، وتقدم نفسها كجزء من جبهة رافضة للعقوبات الأحادية والهيمنة الأمريكية، لا كطرف عسكري فاعل في هذه الأزمات.