محادثات، واتصالات، ولقاءات، ووساطات، في مجملها تزيد واقع الحال الإيراني الأمريكي مزيدًا من الضبابية، وربما تفتح بابًا لفرصة أخيرة، ربما تجعل من الضربة العسكرية الأمريكية نسيًا منسيًا، أو العكس، تجعل من شنّها أمرًا مؤكدًا، وكل ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة الحالية من محادثات فرصة أخيرة، تؤكد لنفسها وللعالم أن شنّ أيّ ضربة عسكرية أمرٌ لا بدّ منه، وما تنقلها على طاولات التفاوض والمباحثات سوى وسيلة لتبرير ما ستقوم به، وربما تذهب لأبعد من ذلك، بأن تحظى بمباركة المجتمع الدولي لضرب إيران.
ما تريد فرضه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل اليوم، هو عدم وجود أسلحة نووية ولا صواريخ في منطقة الشرق الأوسط، ولا حتى أن يحظى أحد بأي دعم، ما يجعل من النيّة "مبيّتة" وواضحة، بأن توجيه ضربة عسكرية ضد إيران قاب قوسين وربما أدنى، وأحدٌ لا يستبعد توجيهها خلال شهر رمضان المبارك، في سعي أمريكي لنيل ما تريده عسكريًا من إيران، فيما تبقى محاولات تقريب المساحات بين واشنطن وطهران مستمرة، بجهود تُبذل في تركيا، وقطر، ومساعٍ عربية ودولية تؤكد على أن في الحروب دومًا الجميع خاسر، أيًّا كانت قوى القوة.
ويبقى السؤال وسط هذه الضبابية، لماذا المفاوضات إذن؟ وهل ستسهم جدليات المفاوضات في عدم توجيه ضربة عسكرية ضد إيران؟ وهل ستكون طوق نجاة للإقليم، والمنطقة، وحتى لإيران والولايات المتحدة؟ جميعها أسئلة برسم الإجابة، ذلك أن أي مراقب يمكن أن يرى أن كل ما يحدث من مباحثات، تبدأ بحوار وتنتهي بردود فعل سلبية، مجرد كسب للوقت لمزيد من التجهيزات العسكرية والتنفيذية، ما يجعل من الأمل مجرد بصيص بأن يبتعد شبح الحرب.
ما تطلبه واشنطن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وما تريده إيران لا ينسجم، بل لا يرضي بالمطلق واشنطن، وهذا التضاد بالرؤى والمواقف يجعلنا ندرك تمامًا أننا لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام حالة مستعصية، سواء كان تفاوضيًا أو حتى سياسيًا، وتبقى كابوس انسداد أفق التفاوض حاضرًا، ويفرض قلقًا إقليميًا ودوليًا، وهذا يُبقي مساعي الحل السلمي حاضرة، بل وتزداد نشاطًا وقوة يومًا بعد يوم، ذلك أن في مثل هذه الحرب الخاسرون أكثر بكثير من الفائزين والمنتصرين، وحقيقة المواجهة هذه المرة ستفجّر أزمة لن تُحمد عقباها.
جهود كبيرة تُبذل لمنع هذه الحرب، تقودها دول عربية في مقدمتها مصر، بمساعٍ لا تهدأ لعدم وقوع حرب ستضع المنطقة على فوهة بركان من الأزمات، وتجعل من التصعيد حالة سائدة، ومن عدم الاستقرار واقع حال المنطقة والإقليم، وحتى العالم، وفي بقاء هذه الجهود حاجة وليس ترفًا، وضرورة وليس عملًا طارئًا، فلا بدّ من الاستمرار بجهود السلام لتجنيب المنطقة والإقليم مزيدًا من الحروب وعدم الاستقرار، التي أنهكت منطقتنا والإقليم.
عن إيران من جديد، وعن توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران من جديد، فهو الحدث الذي يجعل من العيون تترقب ماذا سيحدث فجر غد، وهل ستصل المفاوضات لنتائج إيجابية تكفي المنطقة شرّ حرب خطيرة، وحتما لن يكون خطرها على إيران وحدها، إنما على المنطقة بأسرها، ولن تكون خسائرها أمريكية إيرانية فقط، إنما على الإقليم الذي يعاني منذ سنين ويلات الحروب، فهل نتفاءل أم نتشاءم؟ ربما قادم الأيام يحمل إجابة تجعل من السلام واقع الحال، وليس الحرب.