رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جاءت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي أبدى فيها قلقه من تعاظم قوة الجيش المصري، وضرورة “مراقبة هذا التعاظم عن كثب ومنعه أكثر من اللازم”، لتفتح نافذة واسعة على حقيقة التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية، وتعكس إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب بأن الدولة المصرية استعادت موقعها الطبيعي كقوة مركزية فاعلة، وقادرة على إعادة صياغة معادلات الردع والتوازن في الشرق الأوسط.

القلق الإسرائيلي لا يمكن النظر إليه باعتباره تصريحًا عابرًا أو موقفًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل هو تعبير صريح عن أزمة إدراك استراتيجي تعيشها إسرائيل في ضوء الصعود المتسارع للقدرات العسكرية المصرية، وما تمثله من تحول نوعي في بنية القوة الشاملة للدولة، فمصر، التي واجهت خلال العقد الأخير تحديات جسيمة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، نجحت في إعادة بناء قدراتها الوطنية وفق رؤية استراتيجية متكاملة، جعلت من تحديث القوات المسلحة محورًا رئيسيًا في مشروع استعادة الدولة.

لقد أدركت القيادة السياسية المصرية أن الأمن القومي لم يعد مفهومًا تقليديًا محدودًا بحماية الحدود فقط، بل أصبح منظومة شاملة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية، ومن هذا المنطلق، جاء مشروع تطوير القوات المسلحة ليعكس فلسفة جديدة تقوم على تنويع مصادر التسليح، وتحديث العقيدة القتالية، ورفع كفاءة العنصر البشري، وتوطين التكنولوجيا العسكرية، بما يضمن الاستقلالية الاستراتيجية، ويعزز القدرة على اتخاذ القرار الوطني بعيدًا عن أي ضغوط أو ابتزاز.

وفي هذا السياق، برز الجيش المصري خلال السنوات الأخيرة كقوة إقليمية متقدمة، تمتلك قدرات ردع متطورة، وتكنولوجيا حديثة، ومنظومات تسليحية متوازنة، تتيح له التعامل مع طيف واسع من التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وانعكس ذلك بوضوح في قدرته على تأمين الجبهة الداخلية، ومكافحة الإرهاب بكفاءة عالية، وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، فضلًا عن تأمين الممرات الملاحية الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس، التي تمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي.

إن المخاوف الإسرائيلية من هذا الصعود العسكري المصري تعكس، في جوهرها، إدراكًا بأن التفوق النوعي الذي طالما اعتمدت عليه إسرائيل كضمانة استراتيجية بات يواجه تحديًا حقيقيًا، في ظل جيش مصري يعيد صياغة معادلات الردع من منطلق القوة الرشيدة لا المغامرة، ومن منطلق الدفاع عن المصالح العليا للدولة لا السعي إلى الهيمنة، ومصر لا تنتهج سياسة عدوانية، ولا تسعى إلى فرض نفوذ بالقوة، وإنما تتحرك ضمن إطار استراتيجي عقلاني يستهدف تحقيق الاستقرار الإقليمي، ومنع الانزلاق إلى الفوضى.

وتكمن أهمية القوة العسكرية المصرية في كونها جزءًا لا يتجزأ من قوة الدولة الشاملة، التي تقوم على تماسك الجبهة الداخلية، وصلابة المؤسسات الوطنية، ووضوح الرؤية السياسية، واليوم تمتلك الدولة المصرية مشروعًا وطنيًا متكامل الأركان، يوازن بين متطلبات التنمية الشاملة وضرورات الأمن القومي، وهو ما أتاح لها أن تتحرك بثقة على الساحتين الإقليمية والدولية، وأن تلعب أدوارًا محورية في إدارة الأزمات، من ليبيا إلى غزة، ومن السودان إلى القرن الإفريقي.

وقد أثبتت التجربة أن القوة المصرية ليست أداة تهديد، بل عنصر توازن واستقرار، والدور الذي تقوم به القاهرة في دعم القضية الفلسطينية، واحتواء التصعيد في قطاع غزة، ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة إقليمية شاملة، يعكس بجلاء فلسفة الدولة المصرية القائمة على إدارة الصراع لا تأجيجه، وعلى تثبيت ركائز الاستقرار لا زعزعتها، وهذا ما يجعل من القوة العسكرية المصرية عامل طمأنة لدول المنطقة، في مقابل كونها مصدر قلق متزايد لإسرائيل، التي اعتادت احتكار التفوق العسكري.

ومن زاوية أخرى، فإن التصريحات الإسرائيلية تكشف عن قلق أعمق يتعلق بعودة مصر إلى لعب دورها التاريخي كقائد للنظام الإقليمي العربي، وصاحبة كلمة مسموعة في القضايا الكبرى، ويترافق تعاظم القوة العسكرية المصرية مع حراك دبلوماسي نشط، وحضور سياسي فاعل، وشبكة تحالفات متوازنة، ما يعيد تشكيل معادلات النفوذ، ويحد من قدرة أي طرف على الانفراد بالقرار الإقليمي.

إن مصر، وهي تبني قوتها العسكرية، لا تستهدف سباق تسلح عبثيًا، ولا تسعى إلى استنزاف مواردها في مواجهات غير محسوبة، بل تؤسس لمنظومة ردع ذكية، قائمة على تحقيق التوازن الاستراتيجي، وضمان القدرة على حماية المصالح الوطنية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وهذا النهج يعكس نضجًا سياسيًا ورؤية استراتيجية عميقة، تدرك أن امتلاك القوة ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لحماية السلام العادل والاستقرار المستدام.

وفي المحصلة، يمكن القول إن المخاوف الإسرائيلية ليست سوى شهادة غير مباشرة على نجاح الدولة المصرية في إعادة بناء ذاتها، واستعادة مكانتها، وفرض احترامها في معادلات الإقليم، ومصر القوية ليست تهديدًا لأحد، لكنها في الوقت ذاته ليست ساحة مفتوحة أو دولة قابلة للضغط أو الابتزاز، إنها دولة تعرف وزنها، وتدرك دورها، وتمتلك من أدوات القوة ما يمكنها من الدفاع عن أمنها القومي، وصون مصالحها العليا، والمساهمة الفاعلة في صناعة مستقبل أكثر استقرارًا للمنطقة بأسرها.

وهكذا، فإن قوة مصر اليوم ليست مجرد ترسانة عسكرية متطورة، بل هي تجسيد لإرادة وطن، وصلابة دولة، ووعي قيادة، وثقة شعب، وهي معادلة ردع راسخة تؤكد أن القاهرة عادت لتكون الرقم الأصعب في معادلات الشرق الأوسط.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء