"أم سيتي".. بريطانية وقعت في غرام الحضارة المصرية حتى اتهمت بالجنون
لطالما كانت مصر، بتاريخها الضارب في عمق الزمن وحضارتها الفرعونية الفريدة، مصدر إلهام لا ينضب لعشاق الآثار حول العالم، فبين من يزور، ومن يدرس، ومن يكتفي بالإعجاب من بعيد، تظهر حالات نادرة لأشخاص قرروا أن يجعلوا من هذا الشغف أسلوب حياة كامل.
أم سيتي
من بين هذه القصص الاستثنائية، تبرز حكاية البريطانية دوروثي إيدي، التي عرفت لاحقًا باسم «أم سيتي»، المرأة التي لم تكتفِ بدراسة الحضارة المصرية، بل آمنت بأنها تنتمي إليها روحًا وجسدًا، وعاشت في مصر ما يقرب من ثلاثة عقود حتى وُوريت الثرى على أرضها.
بداية مختلفة لطفلة غير عادية

ولدت دوروثي إيدي في لندن عام 1904، وشهدت طفولتها حادثًا غامضًا وهي في الثالثة من عمرها، حين سقطت من على السلم وفقدت وعيها، حتى ظن والداها أنها فارقت الحياة، لكن المفاجأة كانت في استعادتها للوعي فجأة، لتبدأ بسرد مشاهد غريبة قالت إنها رأتها خلال تلك اللحظات.
وبعد عام واحد فقط، وخلال زيارة عائلية لمتحف لندن، انجذبت الطفلة بشكل غير مألوف إلى الآثار المصرية، حيث ركعت أمام أحد التماثيل الفرعونية ورفضت مغادرة المكان، مؤكدة أن هذا «بيتها الحقيقي».
شغف تحول إلى هوس
اعتبر والداها هذا السلوك مقلقًا، ما دفعهما إلى عرضها على مستشفى للأمراض النفسية، غير أن ذلك لم يُطفئ شغفها، على العكس، واصلت زياراتها للمتحف المصري، وتعلّمت قراءة الهيروغليفية، ونسجت علاقات مع علماء مصريات بارزين، لتتعمق أكثر في دراسة الحضارة الفرعونية.
الرحلة إلى “الوطن الحقيقي”
في ثلاثينيات القرن الماضي، تعرّفت دوروثي في لندن على المصري عبد المجيد، وتزوجته، ثم انتقلت معه إلى مصر عام 1933، وما إن وطأت قدماها أرض مطار القاهرة، حتى ركعت وقبلت الأرض، معلنة أنها عادت إلى موطنها الذي طالما شعرت بالانتماء إليه.
أنجبت ابنًا أطلقت عليه اسم «سيتي»، نسبة إلى الملك الفرعوني سيتي الأول، الذي كانت تؤمن بوجود علاقة روحية جمعتهما في حياة سابقة.
حياة بين المعابد
رغم انفصالها عن زوجها لاحقًا، رفضت دوروثي مغادرة مصر، واستقرت في محافظة سوهاج بالقرب من معبد أبيدوس، أحد أهم المعابد التي شيدها الملك سيتي الأول على الضفة الغربية لنهر النيل، والمعروف باسم «العرابة المدفونة».
هناك، انخرطت في العمل الأثري الميداني ضمن بعثة تنقيب مصرية قادها عالم المصريات الكبير سليم حسن، وأسهمت في ترميم أجزاء من المعبد، وتنظيم الأحجار، وتوثيق النقوش والتفاصيل المعمارية بدقة لافتة، ما منحها مكانة محترمة بين علماء الآثار، رغم عدم حصولها على شهادة أكاديمية رسمية.
الإيمان بالحياة السابقة
الجانب الأكثر إثارة للجدل في حياة «أم سيتي» كان اعتقادها الجازم بأنها عاشت في زمن الفراعنة باسم «بنترشيت»، وكانت خادمة في حدائق المعبد ثم كاهنة، ودخلت في علاقة عاطفية مع الملك سيتي الأول انتهت بحسب روايتها بانتحارها.
وأكدت دوروثي أن معرفتها التفصيلية بمعبد أبيدوس وحدائقه وممراته، ومساعدتها للباحثين في تحديد مواقع أثرية، تعود إلى تلك الحياة السابقة.
إرث باقي رغم الجدل

ورغم أن بعض ادعاءاتها لم تثبت علميًا، فإن إخلاصها للحضارة المصرية، ومساهماتها العملية في توثيق وترميم الآثار، جعلاها شخصية مؤثرة في الوسط الأثري، وحازت احترام أهالي المنطقة الذين أطلقوا عليها لقب «أم سيتي».
عاشت دوروثي إيدي سنواتها الأخيرة في سوهاج، بالقرب من معبد أبيدوس الذي أحبته، وتوفيت هناك، لتظل قصتها واحدة من أكثر الحكايات غرابة وإلهامًا في تاريخ عشق الغرب للحضارة المصرية.

