تكتسب زيارة الرئيس الصومالي إلى القاهرة في هذا التوقيت أهمية خاصة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية، لتلامس جوهر الأمن القومي المصري والعربي، فالصومال بموقعها الجيوسياسي الفريد على القرن الأفريقي، تمثل الحارس الجنوبي لمدخل البحر الأحمر، ذلك الشريان الحيوي لقناة السويس وللاقتصادين المصري والعربي.
وتعكس هذه القمة إدراك القيادة المصرية لحقيقة استراتيجية تؤكد أن أمن مقديشو هو امتداد مباشر لأمن القاهرة، خاصة في ظل ما تشهده منطقة باب المندب من توترات متصاعدة، وتزايد حدة الصراعات الإقليمية، وظهور أطماع صهيونية معلنة تسعى إلى فرض واقع جديد في واحد من أخطر الممرات الملاحية في العالم.
ومن هنا تأتي أهمية التحركات المصرية باعتبارها حائط صد حقيقي يهدف إلى الحفاظ على سيادة الدول العربية والأفريقية على سواحلها، ومنع التدخلات الخارجية التي تربك استقرار الملاحة الدولية وتهدد الأمن الإقليمي والدولي.
فدعم مصر للصومال في مكافحة الإرهاب وبناء مؤسسات الدولة ليس تضامنًا مع دولة عربية شقيقة فحسب، بل يعد استثمارًا استراتيجيًا لطالما سعت مصر للحفاظ عليه وتنميته طوال عقود.
ويؤكد هذا النهج أن الدور المصري في أفريقيا هو دور "البناء والمساندة" لا الاكتفاء بالشعارات السياسية، فالجهود المصرية لا تتوقف عند حدود التنسيق الأمني والسياسي، بل تمتد لتلامس حياة المواطن الأفريقي البسيط، عبر قوافل طبية تجوب القرى والمدن، وبعثات تعليمية تفتح أبواب الجامعات المصرية أمام آلاف الشباب الأفارقة.
وتقود "الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية" التابعة لوزارة الخارجية هذا الحراك باعتبارها المحرك الرئيسي للتعاون (جنوب-جنوب)، فخلال عام 2025 وبدايات 2026، ركزت الوكالة على تدريب الكوادر بتنظيم أكثر من 94 برنامجًا تدريبيًا، شارك فيها نحو 1700 متدرب أفريقي في مجالات حيوية، منها الزراعة، والري، والطاقة المتجددة، والأمن.
واهتمت مصر بملف الدبلوماسية الطبية بإرسال قوافل طبية متخصصة لإجراء جراحات دقيقة، مثل جراحات القلب والعمود الفقري والمخ والأعصاب، إلى دول حوض النيل والقرن الأفريقي.
كما تمثل البعثات التعليمية والأزهر الشريف ركنًا أساسيًا في القوة الناعمة المصرية، فمن خلال منصة (ادرس في مصر) تعمل الدولة حاليًا على تسهيل إجراءات الطلاب الأفارقة الوافدين، مع تقديم منح دراسية كاملة في تخصصات نوعية، مثل الطب والهندسة والذكاء الاصطناعي، وفي الوقت ذاته يواصل الأزهر الشريف دوره التاريخي بإرسال مئات الوعاظ والمعلمين سنويًا لنشر الفكر الوسطي، إلى جانب قوافل الأزهر الطبية التي تقدم العلاج المجاني لغير القادرين في أنحاء القارة.
كما تستعد مصر لاستضافة النسخة الجديدة من مؤتمر (Africa Health ExCon) الذي سينعقد في يونيو 2026، باعتباره أكبر تجمع صحي في أفريقيا، ويهدف إلى نقل تكنولوجيا تصنيع الدواء واللقاحات المصرية إلى الدول الأفريقية، تجسيدًا لمبدأ الاكتفاء الذاتي الصحي للقارة.
وفي المحصلة، تؤكد مصر في جميع لقاءاتها مع القادة الأفارقة على ثوابت لا تتغير، قائمة على احترام وحدة أراضي الدول ورفض أي محاولات لفرض واقع جديد بالقوة، وهي رسائل تعكس رؤية دولة تدرك أن أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن استقرار أفريقيا بكاملها، وأن الشراكة الحقيقية هي الطريق الوحيد لحماية المصالح المشتركة وبناء مستقبل أكثر أمنًا للقارة السمراء.