رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في زمن أصبحت فيه القيم سلعة رخيصة، والأخلاق مجرد شعارات جوفاء، والإنسانية كلمة بلا معنى، نشهد ظاهرة مفزعة تكشف عن انحدار أخلاقي لم تعرفه البشرية حتى في أحلك عصورها: الشماتة في الموتى، والتشفي من الراحلين، وانتهاك حرمة الموت بكل وقاحة واستهتار.

لقد وصلنا إلى مرحلة مظلمة حيث يفرح البعض بموت إنسان، ويتشفى في ميت لا حول له ولا قوة، ويحتفل بمصيبة عائلة فقدت عزيزًا، وكأن الموت أصبح مناسبة للتسلية والانتقام والتنفيس عن حقد دفين في نفوس مريضة.

حرمة الموتى ليست مجرد تعليمات دينية أو عادات اجتماعية، بل هي قيمة إنسانية عميقة تتجاوز الأديان والثقافات والحضارات. في الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم»، وقال أيضًا: «كسر عظم الميت ككسره حيًا»، في إشارة واضحة إلى أن حرمة الإنسان لا تسقط بموته، بل تزداد لأنه أصبح في حالة لا يستطيع فيها الدفاع عن نفسه أو الرد على من يسيء إليه.

 

في المسيحية، تُعتبر الإساءة للموتى خطيئة كبرى، والتعاليم المسيحية تحض على الصلاة للراحلين والترحم عليهم بغض النظر عما كانوا عليه في حياتهم. في اليهودية، هناك مفهوم «كفود هاميت»، أي احترام الميت، الذي يفرض معاملة الموتى بكرامة واحترام. حتى في الفلسفات الإنسانية غير الدينية، هناك إجماع على أن احترام الموتى هو علامة على الحضارة والرقي الإنساني.

القانون الدولي الإنساني نفسه، وتحديدًا اتفاقيات جنيف، يفرض احترام الموتى حتى في حالات الحرب، فالمادة 130 من اتفاقية جنيف الثالثة تنص على ضرورة معاملة جثامين الموتى بكرامة واحترام ودفنهم بطريقة لائقة، وهذا يعني أن حتى في أقسى الظروف الإنسانية – الحرب – يبقى للموتى حرمة يجب احترامها.

 

الشماتة في الموتى ليست مجرد سلوك غير أخلاقي، بل هي جريمة إنسانية ترتكبها نفوس مريضة امتلأت حقدًا وكراهية حتى فاضت على الموتى الذين لم يعودوا قادرين على الأذى أو النفع، فمن يشمت في ميت يكشف عن خواء روحي رهيب، وعن انعدام للإنسانية، وعن مرض نفسي عميق يحتاج إلى علاج.

الشماتة في الموتى تأخذ أشكالًا متعددة في زماننا: منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تحتفل بموت شخص معين، تعليقات بذيئة على أخبار الوفاة، نكات سخيفة عن الراحلين، إهانات موجهة لعائلات الموتى وهي في أحلك لحظاتها، بل وصل الأمر إلى تصوير فيديوهات ساخرة من الموتى ونشرها للترفيه العام.

 

هذا السلوك المشين لا يمس الميت فقط – فهو قد رحل ولا يضره ما يقال – بل يمزق قلوب الأحياء من أهله وأحبابه الذين يعانون بالفعل من ألم الفقد، ويضاعف معاناتهم بإضافة الإهانة إلى المصيبة. من يشمت في ميت يعتدي في الحقيقة على الأحياء الثكالى، ويضرب في الصميم كل قيم الإنسانية والرحمة والتعاطف.

التشفي من الموتى هو قمة الجبن والعجز، إنه انتقام الضعيف الذي لم يستطع أن يواجه خصمه في حياته، فانتظر حتى مات ليهاجمه وهو عاجز عن الرد، كما إنه سلوك الجبان الذي يخاف المواجهة الحقيقية، فيختار أضعف لحظة ممكنة – لحظة الموت – لينفّس عن حقده المكبوت.

 

التشفي من الموتى يكشف أيضًا عن فهم خاطئ وساذج للحياة والموت، من يتشفى من ميت يظن أنه انتصر، لكنه في الحقيقة خاسر خسرانًا مبينًا، فالميت قد انتقل إلى عالم آخر، أما المتشفي فلا يزال يحمل حقده وكراهيته التي تأكل روحه وتفسد حياته، والميت استراح من صراعات الدنيا، أما المتشفي فلا يزال غارقًا في وحل الضغينة والحقد.

الأديان كلها تحذر من التشفي والشماتة. في الإسلام، يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك»، وفي الحديث الآخر: «من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله». هذه التحذيرات ليست تهديدات بقدر ما هي قوانين نفسية واجتماعية: الشماتة والتشفي يرتدان على صاحبهما، والحقد يأكل قلب حامله قبل أن يؤذي المحقود عليه.

 

الشماتة في الموتى والتشفي منهم ليست ظواهر معزولة، بل هي أعراض لمرض اجتماعي أخطر وأشمل: الانفلات الأخلاقي العام. عندما تسقط حرمة الموتى، فهذا يعني أن كل الحرمات الأخرى قد سقطت أو في طريقها للسقوط... مجتمع لا يحترم موتاه هو مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية، وأصبح قابلًا لكل انحراف وكل جريمة.

الانفلات الأخلاقي الذي نشهده اليوم يتجاوز مسألة الموتى إلى كل جوانب الحياة: الكذب أصبح شطارة، والخيانة أصبحت ذكاء، والنفاق أصبح دبلوماسية، والوقاحة أصبحت جرأة، والسب والشتم أصبح حرية تعبير، والتطاول على الكبار أصبح كسرًا للتابوهات، وانتهاك الخصوصيات أصبح شفافية، والاعتداء على الآخرين أصبح دفاعًا عن الرأي.

 

وسائل التواصل الاجتماعي، رغم إيجابياتها الكثيرة، أصبحت منصات للانفلات الأخلاقي، الناس يكتبون ويقولون ما لا يجرؤون على قوله وجهًا لوجه، فالشاشة الصغيرة أسقطت الحواجز النفسية والأخلاقية، وأعطت الجبناء والحاقدين والمرضى نفسيًا منصة للتعبير عن أمراضهم دون خجل أو حياء.

المشكلة ليست في القوانين – رغم أهميتها – بل في التربية والقدوة، من المؤسف أن نقول إن جيلًا كاملًا نشأ دون تربية أخلاقية حقيقية، دون قدوات صالحة، دون قيم راسخة. الأسرة تخلت عن دورها التربوي، والمدرسة اكتفت بحشو الأدمغة بالمعلومات دون غرس القيم، والإعلام روّج للسفاهة والابتذال، والمجتمع كافأ الوقحين وهمّش المهذبين.

 

القدوات الحقيقية غابت، وحلت محلها نماذج سيئة من المشاهير الذين اشتهروا بالفضائح والسلوكيات المشينة، الأطفال يكبرون وهم يرون أن النجاح لا يحتاج إلى أخلاق، وأن الشهرة تُكتسب بالوقاحة، وأن المال يُجمع بأي طريقة، وأن الاحترام لم يعد له قيمة.

الخطاب الديني نفسه – في كثير من الأحيان – أصبح خطابًا شكليًا يركز على المظاهر دون الجوهر، على الطقوس دون الأخلاق، على الحلال والحرام دون التركيز على قيم الرحمة والتسامح والإنسانية. أحيانًا نرى من يصلي ويصوم ويحج لكنه لا يتورع عن الشماتة في الموتى، والكذب على الأحياء، والخيانة في العمل، والتطاول على الآخرين.

 

مجتمع فقد احترام الموتى هو مجتمع في طريقه للانهيار، الشماتة والتشفي والانفلات الأخلاقي تخلق مجتمعًا مليئًا بالحقد والكراهية، مجتمعًا لا يعرف الرحمة ولا التسامح ولا التعاطف، هذا المجتمع ستتفكك روابطه، وستنهار علاقاته، وسيصبح كل فرد فيه عدوًا للآخر.

نفسياً، الشماتة والتشفي يدمران النفس البشرية، الحقد والكراهية سموم نفسية تأكل القلب وتفسد الروح وتحول الإنسان إلى وحش بلا مشاعر، فمن يعيش على الحقد والشماتة لا يعرف السعادة الحقيقية، ولا يستمتع بحياته، ولا يشعر بالسلام الداخلي، حياته كلها توتر وقلق وشعور دائم بالظلم والمرارة.

 

اجتماعيًا، هذه السلوكيات تهدم الثقة بين الناس، فكيف يمكن أن تثق في شخص يشمت في الموتى؟ كيف يمكن أن تشعر بالأمان في مجتمع ينتهك حرمة الموتى؟ إذا كان الميت العاجز غير محترم، فكيف بالحي الضعيف؟

 

الحل ليس في سن مزيد من القوانين – رغم أهميتها – بل في عودة جادة وحقيقية إلى الأخلاق والقيم، نحتاج إلى ثورة أخلاقية تبدأ من الأسرة، تمر بالمدرسة، وتشمل الإعلام والمجتمع ككل.

الأسرة يجب أن تعود لدورها التربوي الأساسي، وتغرس في الأطفال منذ الصغر قيم الاحترام والرحمة والتسامح. المدرسة يجب أن تهتم بالتربية الأخلاقية بقدر اهتمامها بالتحصيل الدراسي. أيضًا الإعلام يجب أن يتحمل مسؤوليته في نشر القيم وليس تدميرها، وكذلك رجال الدين يجب أن يركزوا على جوهر الدين – الأخلاق – وليس على الشكليات والطقوس.

 

نحتاج أيضًا إلى قوانين رادعة تجرّم الإساءة للموتى والشماتة فيهم، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، فبعض الدول الأوروبية لديها قوانين صارمة تحمي حرمة الموتى وتعاقب من يسيء إليهم، نحن بحاجة إلى قوانين مماثلة تحمي موتانا من ألسنة الحاقدين والمرضى.

لكن الأهم من القوانين هو وجود رأي عام قوي يرفض هذه السلوكيات ويستنكرها، فعندما يصبح المجتمع نفسه رافضًا للشماتة والتشفي، وعندما يصبح الناس العاديون يستنكرون هذه الممارسات ويعتبرونها عارًا وسقوطًا أخلاقيًا، عندها فقط سنبدأ في رؤية تغيير حقيقي.

 

كيف نعامل موتانا هو اختبار حقيقي لإنسانيتنا، فالإنسان الحقيقي، المتحضر، الراقي، هو من يحترم الموتى حتى لو كانوا أعداءه في الحياة.

 

 الإنسان النبيل هو من يترحم على الراحلين ولا يشمت فيهم، الإنسان الكريم هو من يواسي أهل الميت ولا يزيد على جراحهم جراحًا.

 

أما الشامتون والمتشفون وناقضو حرمة الموتى، فهم في الحقيقة أموات في صورة أحياء، ماتت إنسانيتهم قبل أن تموت أجسادهم. أرواحهم عفنة وقلوبهم مريضة ونفوسهم حاقدة، وهم أحق بالشفقة من الموتى الذين يشمتون فيهم.

الموت حق على كل حي، وكل منا سيصبح يومًا ميتًا عاجزًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه، فكما تدين تدان. من يشمت اليوم في ميت قد يُشمت به غدًا عند موته، ومن يحترم الموتى اليوم سيُحترم غدًا عند موته.

 

فلنتذكر جميعًا أن الموت نهاية كل خصومة، وأن القبر يسوي بين الجميع، وأن الميت قد انتقل إلى رحاب الله حيث العدل الحقيقي، ولنعلم أن الشماتة في الموتى لا تمس الموتى بقدر ما تكشف عن خواء وحقد ومرض في نفوس الأحياء الشامتين.

 

رحم الله كل موتانا، وأصلح أحوال الأحياء، وطهّر القلوب من الحقد والضغينة، وردّنا إلى الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء