تحليل لمركز باستيت: أدوات إسرائيل لتطويق "انتفاضة الداخل"... تفجرها؟
منذ عقود، تحاول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة "تكييف" فلسطينيي 1948 (الذين يتجاوزون خمس السكان في إسرائيل) على العيش في ظل انقسامات داخلية وحقوق مُنتقَصة وسياسات عنصرية. غير أن محطة الصدام القادمة تبدو مختلفة؛ فهناك حالة استنفار وتصعيد إسرائيلي ملموس، تسعى لحصار موجة الغضب المتنامي والمتكرر في الداخل. فما الذي يحرك هذه الاحتجاجات؟ وهل ستحقق المرجو منها؟ وكيف تخطط حكومة تل أبيب ومؤسساتها وأذرعها لقمع مبكر وإجهاض لهذا الزخم؟
يُركِّز هذا التحليل على المظاهرات الحاشدة لفلسطينيي 1948 في قلب تل أبيب، وعلى توحيد القوائم العربية استعدادًا لانتخابات بعد بضعة أشهر. لكن يجدر بنا في البداية أن نوضح أن لاحتجاجات فلسطينيي 1948 جذورًا وتراكمات لا يمكن تجاهل أثرها، حيث عانى جيرانهم وأقاربهم من ويلات التهجير عام 1948، وبقوا هم على أراضيهم تحت الحكم العسكري، وشهدوا مذابح كـ"كفر قاسم"، ويوم الأرض، واستشهاد 14 متظاهرًا في يوم واحد سنة 2000، في ما يمكن وصفه بـ"أكبر تمرد في الداخل الإسرائيلي منذ تمرد 1936". كما شهدوا قتلًا ممنهجًا وتجويعًا لإخوانهم في غزة والضفة، مما دفعهم لتجديد التظاهر عدة مرات، كانت أحدثها في يافا في يوليو 2025.
ترفض الاحتجاجات الحالية تخاذل أو تحالف الشرطة الإسرائيلية مع العناصر الجنائية، حيث إن 95% من الجرائم التي تُرتكب بحق فلسطينيي 1948 لا يتم الوصول لمرتكبيها، رغم أن بعضها يستخدم قنابل أو سيارات مفخخة! كما تصل نسبة الضحايا العرب إلى 80% من جملة القتلى في جرائم العنف الجنائي في إسرائيل. مما يوحي بوجود شراكة أو حماية وتشغيل من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية لعصابات تهدف لبث الرعب والفوضى وإرهاق المجتمعات العربية، بفرض إتاوات وبسط نفوذ والاتجار في المخدرات وبث ثأر دائم وزرع الفتن بين العائلات، على نفس نموذج المجرم المدان ياسر أبو شباب الذي تبنته إسرائيل في غزة كبديل لحكم حماس!
عبَّرت المظاهرات عن احتقان غير مسبوق يوضح حجم المعاناة، حيث كان من بين الشعارات: "نريد أن نعيش"، مما يعكس أن الحقوق تقلصت إلى حد المطالبة بالحق في الحياة فقط، رغم امتثال فلسطينيي الـ48 للقوانين الإسرائيلية وأدائهم لكل الواجبات دون الحصول على حقوق المواطنة الكاملة والمساواة.
إحدى اللافتات في مظاهرة تل أبيب منذ أيام – التي تلت مظاهرات سابقة في يافا (الإدارية التابعة لتل أبيب) والتي هاجمت صمت الاستخبارات الداخلية على جرائم ترويع موثقة ضد امرأة فلسطينية حامل – حملت مضمونًا واسعًا للاحتجاج بصياغة ذكية تتوخى عدم منح الفرصة لافتراسها بتهمة تجاوز القوانين، حيث عبرت عن الغضب وكأنها تدق نواقيس الخطر الأخيرة: "القتل للعرب وصل لأرقام قياسية في عهد الديكتاتور" و"بيبي مُدان". كما رُفعت لافتات ضد شرطة الاحتلال بقيادة بن جفير. وقد شارك في المظاهرات أكثر من 15 ألف متظاهر، بينهم أعداد من ممثلي اليسار الإسرائيلي، وسبق أن شارك بعضهم في احتجاجات سابقة، مما دفع القناة 14 – التي تعد بوقًا لنتنياهو – لمهاجمة المظاهرة والمشاركين لكونهم – حسب وصفها – "ذئابًا في جلد حملان، قاموا بتمويه وخداع للتغطية على الهدف الأساسي وهو الهجوم السياسي على نتنياهو وحكومته". أي أنها شيطنتهم وخوّنتهم، رغم كونهم ضحايا وفق الإحصاءات الرسمية، ورغم أن حملات جمع الأسلحة غير المرخصة لم تسفر في بعضها سوى عن الوصول لمسدس واحد وأربع خزائن طلقات نارية، مما يعني أنها حملات شكلية لا تتسم بأي قدر من الجدية.
لا يعد انتقال التظاهر من المدن والقرى الفلسطينية (الضواحي والبلدات المهمشة) إلى قلب تل أبيب انتقالًا جغرافيًا فقط، بل يمكن القول إنه تحول على مستويات عدة وصدام مع السلطة، وصرخة لتوزيع عادل للميزانيات والموارد، وهو ما يُترجم بالتالي لنفوذ سياسي تتوجس منه تل أبيب وتتوعده. وعن هذا عبرت "راوية حندقلو"، مُنظِّرة الاحتجاجات في يديعوت أحرونوت، عن سر هذا الزخم وفسَّرته بأنه يأتي لأن فلسطينيي الـ48 – حسب ما رفعوه من شعارات – "مليونان يموتون من الخوف". وقائدة الاحتجاجات تعرضت بنفسها لتهديدات بالقتل، وقد ردت على هذا بقولها: "قد ألقى مصرعي دون أي نشاط احتجاجي في مدينتي شفا عمرو (التي انتقلت إليها بعد زواجها) أو في بلدة سخنين بطلقات من فوق دراجة بخارية على سبيل سوء تمييز للهدف، أو حتى بطلقات نارية طائشة".
وفي تجسيد لخطورة الأمر وتفحُّشه، تم بث – بعد المظاهرات بيومين – استغاثة مهندس المجلس المحلي في بلدة دير حنا (شمال إسرائيل) بعد تعرُّض منزله لإطلاق نار عدة مرات مؤخرًا، عدا عن تلقيه تهديدات ومطالبته بدفع إتاوة. مما يعني أن الأمن مفتقد، وسيدفع الناس للانفجار أو للسعي لحماية أنفسهم بشكل ذاتي خارج سياق الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. في حين ترى قطاعات من فلسطينيي الـ48 – حسب تقرير مطول في يديعوت أحرونوت – أنه "طالما أن الحكومة الحالية ترى أن العرب هم خطر على استقرارها، يجب أن يتحالفوا مع أحزاب اليسار والوسط لتحقيق هذا الهدف بالفعل".
سباق الانتخابات:
كل ما سبق يقودنا إلى الانتخابات المرتقبة بعد شهور. فخلال الاحتجاجات في تل أبيب، ذكَّر رئيس بلدية رهاط، طلال القريناوي، الجميع بتلاعب نتنياهو بالناخبين حين حذَّر في انتخابات 2025 من أن "العرب يتدفقون كالطوفان لصناديق الاقتراع"، وردَّ القريناوي مخاطبًا نتنياهو: "يا أبا يائير.. سنتدفق لصناديق الاقتراع".
المظاهرات الأخيرة سعت للمطالبة القوية بتوفير الأمن الشخصي لمواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويواجهون الجريمة المنظمة، رافعة أيضًا شعارات رافضة للاحتلال. مع ملاحظة أن البلدة التي أطلقت على نتنياهو لقب "أبو يائير" ودعمته ("الترابين")، أعلنت مؤخرًا تنصلها عن دعمه أو دعم الليكود.
وعلى صعيد التحركات المحمومة استعدادًا للانتخابات، تبرز تحولات مؤثرة على المشهد، أبرزها إحياء "القائمة العربية المشتركة"، وهي فكرة جاءت كرد فعل على رفع تل أبيب سنة 2014 "نسبة الحسم" (الحد الأدنى اللازم من الأصوات لدخول الكنيست) لمنع الأحزاب العربية من دخول الكنيست، وبالفعل حصدت القائمة آنذاك 15 مقعدًا لتشكل رقمًا صعبًا في أي معادلة.
يشمل التحالف الانتخابي الحالي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) – تحالف يهودي-عربي يساري، والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، وحركة التغيير (تعال)، والقائمة العربية الموحدة (رعم) – الجناح السياسي للحركة الإسلامية (التيار الرئيسي في كفر قاسم). بعد أن وقَّع قادة هذه الأحزاب الأربعة – في 22 يناير 2026 – اتفاقًا للعمل على إعادة تشكيل التحالف الانتخابي الموحد "القائمة المشتركة" تمهيدًا لخوض انتخابات أكتوبر. حيث لاحظ قادة تلك الأحزاب أن الشارع العربي يستشعر الخطر المشترك، وأن بعضهم لن يتجاوز نسبة الحسم مما قد يمنح أصواتًا عربية لأحزاب صهيونية متطرفة بعد إعادة توزيع أصوات الأحزاب المستبعدة. بكل تأكيد لا تزال هناك مراحل للتفاوض حول التفاصيل، لكن المؤشرات الأولية مبشرة وتدعو للتفاؤل.
والتوقعات حاليًا تشير إلى وصول القائمة المشتركة إلى 18 مقعدًا، وهي زيادة تتيح لعب دور كبير في حسم الصراع بين "معسكر نتنياهو" ومعسكر "لا لنتنياهو"، حيث إن الفارق بينهما دائمًا ضئيل (وإن كان زاد بعد الفشل في غزة قليلًا لصالح الرافضين لسياسات نتنياهو)، وهو ما جعله طوال الوقت يرفض الانتخابات المبكرة.
ألاعيب نتنياهو:
يأتي القمع الأمني الممنهج على رأس أولويات نتنياهو حاليًا لإجهاض الزخم بين صفوف فلسطينيي الـ48، بالاستعانة بشرطة بن جفير، وميليشيات تم توزيع أسلحة عليها، وفي ظل وجود رئيس شاباك (الاستخبارات الداخلية) – لأول مرة من المستوطنين – وهو الجنرال دافيد زيني، مع إطلاق يد الجنائيين والعصابات المنظمة لإرهاب المواطنين والسياسيين أيضًا.
بجانب سعي تل أبيب لحشد معسكر يرفض الاعتماد في أي حكومة قادمة على أغلبية تشمل أصوات فلسطينيي الـ48. وفي هذا السياق، أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينت بتصريحات وعد فيها بعدم التحالف لإقامة حكومة مع أحزاب عربية، كرد فعل على 7 أكتوبر حسب زعمه، وكأنه يخوّن ويمهد لترحيل جماعي أو على الأقل سلب حق التصويت من المواطنين العرب، حيث أَهدر تصويتهم مسبقًا!
وهو ما يتم التمهيد له منذ عقود، ويتماشى مع الهدف لدى أنصار الأحزاب الدينية وهو "دولة يهودية"، وليس "دولة ديمقراطية" أو "دولة لكل مواطنيها"، وهو قطاع لا يُستهان به يرفض الديمقراطية إذا ارتكزت على أغلبية تضم أصواتًا من فلسطينيي الـ48. وهي تحركات ومواقف تعيد للأذهان وصف الكاتب وعضو الكنيست الراحل إميل حبيبي للديمقراطية الإسرائيلية بأنها "فاكهة شمعية".
الخلاصة:
يواجه فلسطينيو ا1948 رغم حملهم للجنسية الإسرائيلية، تمييزًا مؤسساتيًا متجذرًا في القوانين والممارسات الرسمية. يدرك فلسطينيو ا1948أكثر من أي وقت مضى أن الهدف دائمًا لدى تل أبيب هو تعزيز الهيمنة اليهودية وتقليص الحضور الفلسطيني من خلال القيود على البناء والممتلكات والتفرقة في الميزانيات بشكل مجحف، وأخيرًا الانفلات الأمني الذي يمس حياتهم اليومية. وهو ما جعل كل الأحزاب والحركات العربية تتبنى شعارات الديمقراطية والمساواة وتجعلها – بشكل سلمي وقانوني – هدفًا لها دون جدوى، حيث تصر إسرائيل على إرهابهم ودفعهم للهجرة، مع قمع النشطاء واعتقالهم حتى لمجرد تعاطفهم في صفحاتهم الشخصية مع ضحايا غزة أو ضحايا العنف داخل بلداتهم.
ومن الواضح أن فلسطينيي 1948 يتحركون حاليًا بدافع اليأس بشكل مختلف عن كل الاحتجاجات السابقة، مما قد يُترجم إلى تقلبات سياسية تاريخية تحاول إسرائيل إجهاضها، مما يزيد من منسوب الحنق والاحتقان، مما قد يقود لانتفاضة شاملة أو تمرد عربي ثالث في قلب أراضي 1948.