في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات السياسية والعسكرية، عادت سلطنة عُمان لتلعب دورها التقليدي كوسيط هادئ في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الشرق الأوسط، وذلك من خلال استضافتها الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية–الإيرانية. تأتي هذه الجولة بعد أيام من تصعيد متبادل في الخطاب والتحركات العسكرية غير المباشرة في المنطقة، ما جعل من انعقادها مؤشرًا على وجود رغبة مشتركة – وإن كانت محدودة – في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة لا يرغب فيها أي من الطرفين في هذه المرحلة.
الملف النووي الإيراني كان محور هذه المفاوضات، وهو اختيار يعكس طبيعة المقاربة الأمريكية والإيرانية الحالية، القائمة على إدارة الأزمة بدلًا من السعي إلى حل شامل. فالولايات المتحدة تدرك أن الضغط الأقصى لم ينجح في كبح البرنامج النووي الإيراني، في حين ترى طهران أن التصعيد المحسوب يمنحها أوراق تفاوض إضافية دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. من هنا يمكن فهم هذه المفاوضات بوصفها محاولة لضبط إيقاع الصراع وليس لإنهائه، وخلق مساحة سياسية تتيح للطرفين التقاط الأنفاس في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب.
إن اختيار سلطنة عُمان لاستضافة هذه المفاوضات لم يكن خيارًا تقنيًا أو لوجستيًا فحسب، بل قرارًا سياسيًا مدروسًا يستند إلى سجل طويل من الوساطات الناجحة نسبيًا بين طهران وواشنطن. فقد استطاعت مسقط، خلال العقدين الماضيين، أن تبني سمعة دولية قائمة على الحياد الإيجابي، والقدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون الانخراط في الاستقطابات الحادة التي تطبع السياسة الإقليمية. هذا النهج مكّنها من لعب دور القناة الخلفية في العديد من المحطات المفصلية، أبرزها التمهيد للمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي لعام 2015.
في هذا السياق يمكن توصيف الدور العُماني بأنه جسر دبلوماسي يربط بين طرفين يفتقدان الثقة المتبادلة، ويبحثان عن وسيط لا يفرض أجندة خاصة ولا يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية مباشرة من عملية الوساطة. فسلطنة عُمان لا تقدم ضمانات أمنية، ولا تملك القدرة على فرض حلول، لكنها توفر بيئة آمنة للحوار، وتساهم في خفض منسوب التوتر عبر إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
مع ذلك، فإن أهمية هذه المفاوضات لا ينبغي أن تحجب محدوديتها البنيوية. فالتركيز الحالي ينحصر في الملف النووي، بينما تبقى القضايا الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا في بنية الصراع خارج إطار التفاوض. برامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، والنفوذ الإقليمي لطهران في عدد من الساحات العربية، إضافة إلى دور الحلفاء الإقليميين والملفات الأمنية المرتبطة بالملاحة والطاقة، كلها عناصر جوهرية في معادلة التوتر، لكنها غائبة عن الطاولة في هذه المرحلة.
هذا الفصل المتعمد بين الملفات يعكس إدراك الطرفين لصعوبة التوصل إلى تسوية شاملة في ظل موازين القوى الحالية، ويفسر لماذا تبدو المفاوضات وكأنها تسير في ممر ضيق هدفه الأساسي منع الانفجار، لا بناء سلام مستدام. فالولايات المتحدة تسعى إلى تجميد البرنامج النووي عند مستويات يمكن السيطرة عليها، دون الانخراط في التزامات أمنية أوسع في المنطقة، بينما تحاول إيران تقليص الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليها، دون تقديم تنازلات تمس جوهر استراتيجيتها الإقليمية.
من هنا فإن أي تقدم قد تحرزه هذه الجولة أو الجولات اللاحقة سيبقى هشًا بطبيعته، وقابلًا للانتكاس عند أول اختبار جدي. فغياب إطار تفاوضي شامل يجعل من الاتفاقات الجزئية أشبه بترتيبات مؤقتة لإدارة التوتر، لا حلولًا دائمة للصراع. كما أن استمرار العوامل الإقليمية المتفجرة، من النزاعات المسلحة إلى الاستقطاب الإقليمي، يحدّ من قدرة أي مسار تفاوضي محدود على تحقيق نتائج طويلة الأمد.
في هذا المشهد تبرز سلطنة عُمان كفاعل يسعى إلى تقليص الخسائر لا إلى صناعة اختراقات كبرى. فهي تعمل كجسر عبور فوق هاوية محتملة، يمنح الأطراف فرصة للانتقال من لحظة تصعيد إلى لحظة تهدئة، دون أن يغير طبيعة الصراع أو يعالج جذوره. هذا الدور، رغم تواضعه الظاهري، يكتسب أهمية خاصة في منطقة اعتادت على القطيعة والرسائل العسكرية بدل الحوار المباشر.
إن المفاوضات الأمريكية–الإيرانية التي احتضنتها مسقط تمثل خطوة مهمة في كبح التصعيد وإعادة تفعيل الأدوات الدبلوماسية، لكنها تبقى أقرب إلى هدنة سياسية غير معلنة منها إلى مسار تسوية شامل. النجاح الحقيقي لهذا النهج لن يتحقق إلا إذا تحولت هذه القناة المؤقتة إلى عملية سياسية موسعة تشمل جميع الملفات العالقة، وتستند إلى إرادة دولية وإقليمية حقيقية لإعادة تعريف مفهوم الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو شرط لم تتوافر عناصره بعد.