رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من يملك القرار التعليمي؟..26 مليون طالب حائرين بين المجلس الوطني والوزير

وزير التربية والتعليم
وزير التربية والتعليم

 من يملك القرار التعليمي في مصر؟ وزير التربية والتعليم أم المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار؟ سؤال يبدو منطقيًا مع قرارات كثيرة تصدر من وزير التعليم أثارت جدلًا بين مؤيد ومعارض، وأحدثت ربكة وبلبلة في الوسط التعليمي، في قضية تمس الأمن القومي للمجتمع، فهناك ما يقرب من 26 مليون طالب يتأثرون بالقرارات التعليمية سلبًا وإيجابًا.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل قرارات وزير التربية والتعليم نابعة من قناعاته أم ترجمة لتوصيات صادرة من المجلس الوطني للتعليم؟ وهل المجلس الوطني للتعليم في حاجة إلى دعم من التكنوقراط وأساتذة التربية والمتخصصين في التقويم والمناهج؟

"إيجبتك" يفتح الملف ويطرح السؤال الأهم.. من يملك القرار التعليمي في مصر: الوزير أم المجلس؟ وهل هناك انفراد بالقرار التعليمي؟
 

ويقول الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي: لا شك أن الدولة المصرية تحمل ملفًا كبيرًا في التعليم ما قبل الجامعي، والذي يشمل ما يزيد على 26 مليون طالب، فضلًا عن جيش من المعلمين لا يقل عددهم عن 900 ألف معلم، بخلاف مدارس مترامية يتجاوز عددها نحو 62 ألف مدرسة، وغيرها من الأمور، ومن ثم فهو ملف ضخم وكبير جدًا وشائك، والطلاب في مراحل التعليم قبل الجامعي يتجاوز عددهم تعداد دول مجاورة.

وفيما يتعلق بسياسات التعليم، أعتقد أن الدولة المصرية تسير في السنوات الأخيرة في مجال التعليم بسياسة دولة لا سياسة وزير، لكن الفارق بيننا وبين الدول الأخرى أن سياسة الدول تكون محددة الخطوات العريضة للتعليم وتطويره من حيث المناهج ونظم التعليم والتقويم وخلافه، لكن هناك مساحة واسعة لوزير التعليم في اتخاذ قرارات في إطار هذه السياسة.

وأشار إلى أننا في مصر لدينا المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار، يضم نخبة من المتخصصين في التعليم وغيرهم، لكننا نفتقد إلى تفعيل هذا الدور بشكل واضح ومحدد، ونفتقد إلى الإعلان عن السياسة التعليمية في مصر بشكل واضح ومعلوم ومفصل، بحيث يعلم المواطنون ما سيتم في السنوات القليلة المقبلة، أو حتى على المدى البعيد، بحيث يتكون لدى الرأي العام انطباع بأن هذه سياسة دولة لا تتغير بتغير الوزير، ولا يأتي وزير جديد بسياسات تختلف عن سياسات سلفه. 

الدكتور تامر شوقى 
الدكتور تامر شوقى 

وأشار الخبير التربوي إلى أن المجلس الوطني للتعليم يحتاج إلى دعم بأساتذة وخبراء المناهج والتقويم وأصول التربية وأساتذة التربية وغيرها من التخصصات التربوية، وهذا المجلس سيكون من مزاياه أنه ستكون هناك رؤى متعددة قبل اتخاذ أي قرار لتوضيح مزايا وعيوب كل قرار، ومنافع وسلبيات كل قرار، كما أن المجلس يقدم المبررات النفسية والتربوية المقنعة لأولياء الأمور والطلاب لماذا تم اتخاذ هذا القرار، بحيث يتقبله الأهالي بسهولة، مما يقطع المجال على اللغط، ويجعل الكثيرين قادرين على تقبل القرارات.

كما أن المجلس الوطني للتعليم، بعد دعمه بأساتذة التربية، سيكون من مميزاته أنه يضم خبراء على اطلاع على أحدث التجارب والدراسات والاتجاهات العالمية في مجال علوم التربية، وقادرين على نقلها إلى المجال التعليمي المصري.

واختتم الخبير التعليمي في تصريحاته الخاصة إلى أنه في كل الأحوال لدينا سياسة تعليمية هي سياسة دولة، لكن تتاح للوزير مساحة أكبر لاتخاذ قرارات في إطار هذه السياسة، ولدينا مجلس وطني للتعليم قائم بالفعل، لكنه يحتاج إلى تفعيل دوره بشكل أكبر وأن يضم مجموعة من أساتذة التربية.

 من جانبه، قال الدكتور عبد الباسط صديق، عضو هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية والخبير في نظم اللوائح بالجامعات المصرية، في تصريحاته لـ "إيجبتك"، طارحًا سؤالًا هامًا: هل ما زال زلزال التعليم مستمرًا؟ وهل يعقل أن نُدير "مستقبل التعليم في مصر" بعقلية الماضي؟

فهناك فجوة تتسع عالميًا بين دول تتبنى "اقتصاد المعرفة" (Knowledge Economy) ودول لا تزال تكافح في فخ "التعليم التقليدي". وأشار الخبير التعليمي في تصريحاته لـ "إيجبتك" قائلًا: إن مهمة إدارة ملف استراتيجية التربية والتعليم ليست مجرد عملية سياسية أو إدارية روتينية، بل هي في الحقيقة قضية "هندسة أمن قومي" من الطراز الأول. ويظهر لنا السؤال الرئيسي الذي يحير معظمنا: هل تكمن العلة في المناهج؟ أم في "الفلسفة الحاكمة" لمن يدير منظومة التربية والتعليم في مصر؟
 

الدكتور عبدالباسط صديق 
الدكتور عبدالباسط صديق 

 كما يطفو على سطح عقولنا: هل الأفضل لنا في مصر أن تكون الإدارة مركزية أم عبر إنشاء المجالس القومية؟ ومن الذي يملك مفتاح الحل؟

ويشير الدكتور عبد الباسط صديق إلى أنه غالبًا في الأنظمة التعليمية العتيقة، يُترك الملف في يد وزير التربية والتعليم منفردًا، وهو ما يجعله عرضة لما يُعرف بـ Person-centered Policy (السياسات القائمة على الفرد). هنا نجد أنفسنا دائمًا أمام "متلازمة البداية من الصفر" مع كل تغيير وزاري.

وأضاف: "أما إذا نظرنا في العالم من حولنا، فيظهر أمامنا دول مثل "النمور الآسيوية" وفنلندا، الذين نجدهم قد انتقلوا إلى مفهوم آخر جديد يسمى مفهوم الاستدامة المؤسسية (Institutional Sustainability) عبر إنشاء مجلس التعليم القومي National Council for Education، فهذا المجلس لا يعمل تحت ضغط الأجندات السياسية قصيرة المدى، بل يضع "رؤية عابرة للحكومات" (Trans-governmental Vision). في هذا النموذج، يكون الوزير هو (Chief Operating Officer (COO) (أي المدير التنفيذي للعمليات)، بينما المجلس هو "العقل الاستراتيجي" الذي يضمن عدم الانحراف عن المسار مهما تغيرت الوجوه".
 

 

واقعنا المرير وطموحنا المشروع

وأكد الخبير التربوي أنه غالبًا عندما نبدأ في عمل مقارنة تحليلية، وعندما ننظر إلى الفجوة بين مصر والنظم المتقدمة مثل سنغافورة وفنلندا، نجد أن التباين يتجاوز حدود الميزانيات. فبينما يركز العالم المتقدم على Soft Skills (المهارات الناعمة) وCritical Thinking (التفكير النقدي) كركيزة أساسية، لا يزال السياق المصري يصارع إرثًا ثقيلًا من "ثقافة الاختبار" (Assessment Culture) التي تقدس الدرجة على حساب المهارة.

وفي الدول المتقدمة، يُنظر إلى المعلم كـ High-Value Asset (أصل عالي القيمة)، حيث يتم اختيار صفوة الخريجين للتدريس، بينما في مصر، يواجه المعلم تحديات اقتصادية تضطره للجوء إلى "الدروس الخصوصية" التي تمثل Shadow Education (تعليم الظل)، وهو استنزاف اقتصادي ضخم للأسرة المصرية يلتهم ميزانية تفوق إنفاق الدولة نفسه على التعليم. وعلى الرغم من محاولات التحول الرقمي في مصر (Digital Transformation)، إلا أنها لا تزال تصطدم بفجوات البنية التحتية (Infrastructure Gaps) وكثافة طلابية تجعل من تطبيق نموذج "الفصل المقلوب" (Flipped Classroom) تحديًا لوجستيًا هائلًا.

 

 روشتة الإنقاذ

كيف نصنع "المعجزة المصرية" بمواردنا المتاحة؟ سؤال يطرحه الدكتور عبد الباسط صديق، قائلًا: إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي الحالي في مصر يتطلب حلولًا "خارج الصندوق" (Out of the Box) تتسم بالذكاء والفاعلية، وليس بالضرورة بضخامة الإنفاق:

تأسيس "المجلس القومي الأعلى للسياسات التعليمية": يجب أن يكون جسمًا مستقلًا دستوريًا، يضع استراتيجية لمدة 20 عامًا، تلتزم بها الدولة كـ "مقدس وطني" لا يتغير بتغير الوزراء.

وتبني نموذج "التعليم المزدوج" (Dual Education System): يتم فيه ربط التعليم الفني بالمناطق الصناعية بشكل عضوي، بحيث تتحمل المصانع تكلفة التدريب والتشغيل، مما يحول الطالب من "عبء" إلى "قوة إنتاجية" (Productive Force) أثناء الدراسة.

وتحويل المدارس إلى "مراكز مجتمعية ذكية": استغلال مباني المدارس في الفترة المسائية لتقديم دورات مهنية وتكنولوجية مدفوعة الأجر للجمهور، وتخصيص العائد لتحسين دخل المعلمين في تلك المدرسة (نموذج Self-Financing Schools).

والاستثمار في "إعداد القادة التربويين": بدلًا من التدريب الكمي، نحتاج إلى نخبة من "مديري المدارس" يتمتعون بصلاحيات واسعة (Decentralized Management) لإدارة مدارسهم كمنشآت مستقلة تسعى للتميز.

وكذلك المنصة التعليمية الموحدة كبديل "للكتاب والدروس": بدلًا من طباعة الكتب الورقية المكلفة، يتم تحويل تلك الميزانيات لتمويل "بنك أسئلة وتفاعلات" رقمي، مع توفير نقاط وصول مجانية للإنترنت في المناطق الأكثر احتياجًا.

واختتم الدكتور عبد الباسط صديق تصريحاته الخاصة لـ "إيجبتك"، إن إصلاح التعليم في مصر ليس "رفاهية"، بل هو الخيار الوحيد للبقاء في سباق القرن الحادي والعشرين. فهل نمتلك الشجاعة السياسية والمجتمعية لنقل التعليم من "مكتب الوزير" إلى "طاولة الحوار القومي المستدام"؟ الكرة الآن في ملعبنا جميعًا.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء