رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فتح مقترح النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، بشأن التبرع بالجلد والأنسجة بعد الوفاة، بابًا واسعًا لعودة الجدل القديم المتجدد حول قضية التبرع بالأعضاء، ذلك الملف الذي يطل برأسه كل حين، محمّلًا بأسئلة الخوف والوعي والضمير.

الحقيقة أن مقترح النائبة إنساني بامتياز، مقترح يفترض أن يُقابل بالفكر، وأن يُناقش بهدوء، وأن يُختلف حوله باحترام، عملًا بالمقولة العميقة: «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا، إذ تحوّل المقترح إلى مادة لحفلة سخرية جماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، هجوم بلا منطق، وضحك بلا سبب، وكأننا أمام نكتة عابرة، لا فكرة يمكن أن تنقذ أرواحًا وتخفف آلامًا حقيقية.

الحقيقة المُرّة أن موجة الهجوم والسخرية على مقترح التبرع بالجلد، والتي اجتاحت الفضاء الإلكتروني، كشفت مجتمعًا يسخر من نفسه دون أن يدري، ويضحك على جراحه بدل أن يداويها. كشفت عورات وعيٍ مأزوم، وسطحية طرح، واستغراقًا في سفسطة بيزنطية، وارتباكًا في البوصلة الأخلاقية والمعرفية. فالمقترح لم يكن المشكلة، بل كان كاشفًا قاسيًا لأزمة وعي متجذرة.

من لم يختبر الألم، لن يعرف قيمة الأمل. والحقيقة أن مقترح التبرع بالأعضاء، ومنها الجلد، مقترح نبيل في جوهره، لكنه اصطدم بجدار سميك من السخرية المبكية، التي لا تجرح الفكرة بقدر ما تجرح أصحابها.

الصراحة تقتضي القول إن السخرية من التبرع بالجلد كشفت بوضوح أن الوعي يتراجع، وأن الهرطقات تتقدم، وأن مؤشرات الانحدار تتزايد في مجتمع يبدو، في بعض لحظاته، أكثر مرضًا من المرضى الذين يحتاجون إلى التبرع بالأعضاء. مجتمع يسخر من صورته في المرآة، ثم يتساءل بدهشة: لماذا لا يعجبه شكله؟

مقترح التبرع بالجلد ليس استثناءً، فقد سبقه عشرات المقترحات ضمن ملف التبرع بالأعضاء، ومن بينها نداء إنساني مؤثر أطلقه جراح القلب العالمي الدكتور مجدي يعقوب، لإنقاذ حياة آلاف يموتون يوميًا لأننا لم نحسم أمرنا بعد.
يعقوب لم يتحدث بلغة العلماء وحدهم، بل بلغة القلب والضمير. قال إن الخوف من التبرع بعد الوفاة لا ينبع من الدين، بل من هواجس شعبية مرتبطة بفكرة الاتجار بالأعضاء، رغم وجود قوانين وضمانات صارمة. وقال – وهي الجملة الأخطر – إن تبرعًا واحدًا قد ينقذ أسرًا كاملة. لكنه أشار بوضوح إلى أن المجتمع نفسه هو المتبرع، وهو صاحب القرار، وهو في الوقت ذاته أسير مخاوفه.
ورغم ذلك، ما زلنا ندور في الحلقة نفسها. نناقش القضية منذ سنوات، نختلف ونتجادل، ونتوه بين مؤيد ومعارض، ونعيش ارتباكًا في الفتاوى، رغم أن المؤسسات الدينية الرسمية حسمت الأمر في أكثر من مناسبة.

المفارقة الصادمة أن قانون التبرع بالأعضاء مرّ على صدوره نحو ستة عشر عامًا، ولائحته التنفيذية أتمّت خمسة عشر عامًا، لكن الواقع يقول شيئًا آخر تمامًا: لا نملك بنية حقيقية لبنوك الأعضاء، ولا نملك – وهو الأخطر – ثقة مجتمعية في منظومة التبرع. هنا بيت القصيد، ولبّ المشكلة، بعيدًا عن الجدل القانوني والديني.

المؤكد أن مشروع التبرع بالأعضاء يواجه عثرات حقيقية، لا بسبب غياب القرار الطبي، بل بسبب غياب القرار المجتمعي. أو بتعبير أدق، بسبب صراع مزمن بين الموروث والعلم، صراع غالبًا ما ينتصر فيه الجهل على الإيمان، والخرافة على الفهم. فهناك دول سبقتنا بعقود في هذا الملف، بينما ما زلنا نناقش ما إذا كان التبرع بالجلد «يحوز» أو «لا يحوز»، وكأن الجلد سيُستخدم في عرض مسرحي، لا في إنقاذ إنسان محترق.

قديمًا قال الفيلسوف سقراط: «العلم هو الخير، والجهل هو الشر». والسخرية من مقترح التبرع بالجلد كشفت عن سرطان مزمن اسمه الأمية، ينهش في جسد المحروسة منذ عقود، حتى وصل إلى أرقام تقترب من تعداد دول كاملة. وهو السرطان نفسه الذي يقف خلف قنابل موقوتة أخرى: الزيادة السكانية، التدين الشكلي، وانتصار التفاهة على القيمة.

السخرية هنا لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل اعترافًا غير مباشر بحالة من الشيزوفرينيا المجتمعية: مجتمع يشكو الألم، لكنه يسخر من العلاج. يتحدث عن الإنسانية، لكنه يضحك حين تُطرح عليه فكرة إنقاذ إنسان.

الأخلاق، كما يُقال، هي ضمير الأمة. وتقدم الأوطان يُقاس بتقدم العقول. وخريطة العالم المتقدم تقول بوضوح: لم يحدث أن اجتمع التقدم والجهل في دولة واحدة.

أزمة السخرية من التبرع بالجلد نكأت جراحًا مدفونة لنظام تعليمي أفرز أجيالًا تحفظ أكثر مما تفهم، وتردد أكثر مما تعي، تعليم جعلنا أقرب إلى انتظار «جودو» في مسرحية صمويل بيكيت؛ ننتظر الحل، دون أن نتحرك نحوه.

نحن بحاجة إلى «نيو لوك» حقيقي للعقول، لا للشعارات، إلى خطاب تعليمي يُخرج أجيالًا تفكر قبل أن تسخر، وتفهم قبل أن ترفض.

السخرية من التبرع بالجلد ليست بعيدة عن مشهد الإرهاب الذي يتغذى على الجهل، ولا عن مشاهد انتخابات اختار فيها البعض «الكرتونة» بدل البرنامج، ولا عن تراجع الفن الجاد أمام اسكتشات عبثية، ولا عن احتضار المسرح، وتراجع الأغنية الهادفة، وتقدم أغاني البانجو. كلها أعراض لمرض واحد: أزمة وعي وجيل بلا رأس.

ضحايا الحروق لا يعانون فقط من الألم الجسدي، بل من اغتيال معنوي مستمر؛ نظرات شفقة، ونفور مجتمعي، تقتلهم ألف مرة قبل أن تقتلهم العدوى. كثيرون منهم يحتاجون إلى الجلد لينجوا، بينما بنوك الجلد شبه خاوية، لا لغياب الإمكانيات، بل لغياب المتبرعين، تمامًا كما تعاني بنوك الدم من الأزمة نفسها.

أزمة السخرية من مقترح التبرع بالجلد كشفت أيضًا فشل الخطاب الديني والإعلامي في إقناع الناس بخطورة وأهمية القضية، وكشفت أزمة ثقة عميقة في منظومة التبرع، تحتاج إلى تحليل جاد وحلول واقعية. ورغم الحسم الديني الواضح، ما زالت الفجوة واسعة بين الفتاوى الرسمية ووعي الشارع، كثيرون لم يسمعوا أصلًا عن هذه الفتاوى، أو سمعوا ولم يقتنعوا، أو اختاروا الخوف لأنه الطريق الأسهل.

وجهة نظري أن حل أزمة التبرع بالأعضاء لا يبدأ من غرف العمليات، بل من داخل عقل المواطن. من خطاب إعلامي وديني صادق، تشرف عليه مؤسسات رسمية، ويشارك فيه مثقفون ومشاهير. فالقضية ليست قصة جلد محترق أو قرنية مفقودة، بل قصة مجتمع يحتاج إلى علاج من موروثات مغلوطة، ليسترد بصيرته قبل أن يسترد أعضائه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء