عبد الرحمن الرافعي.. من النضال البرلماني إلى توثيق تاريخ مصر القومي
في مثل هذا اليوم، ولدعبد الرحمن الرافعيعام 1889 بحي الخليفة بالقاهرة، في بيت ديني عميق التمسك بالقيم والمعرفة، حيث كان والده يعمل بالإفتاء، ومنذ طفولته، أظهر الرافعي ميلاً للعلم والقراءة، متأثرًا بالبيئة الأسرية المثقفة التي أحاطت به.
تخرج في مدرسة الحقوق عام 1908، وسط فترة مليئة بالحركة الوطنية على يد مصطفى كامل، ما صقل وعيه السياسي والوطني منذ الصغر.
بدأ حياته العملية كمحامٍ في البداية، متتلمذًا على يد محمد علي علوبة باشا في مكتب المحاماة بأسيوط، قبل أن يعود إلى القاهرة ليعمل محررًا في جريدة اللواء تحت إشراف الزعيم الوطني محمد فريد، بعد وفاة مصطفى كامل، ليجمع بين ممارسة القانون والنشاط الصحفي والسياسي في آن واحد.
رحلة التأليف التاريخي
عبد الرحمن الرافعي لم يقتصر دوره على العمل السياسي فقط، بل كان من أبرز المؤرخين المصريين في القرن العشرين، حيث أسهم في توثيق التاريخ القومي المصري في سلسلة ضخمة مؤلفة من عشرين مجلدًا، غطت أحداث مصر الكبرى منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
ابرز مؤلفات عبدالرحمن الرفاعي
من أهم مؤلفاته حقوق الشعب، نقابات التعاون الزراعية، الجمعيات الوطنية، تاريخ الحركة الوطنية، عصر محمد علي، عصر إسماعيل، الثورة العرابية، مصطفى كامل، محمد فريد، ثورة 1919، مقدمات ثورة يوليو، مذكراتي، أربعة عشر عامًا في البرلمان، وغيرها من الأعمال التي أصبحت مرجعًا أساسيًا لدراسة التاريخ المصري الحديث.
وساهمت هذه المؤلفات في بناء صورة متكاملة عن الحركة الوطنية، والنضال ضد الاحتلال، والتحديات السياسية والاجتماعية التي واجهت مصر خلال العقود السابقة.
الحياة السياسية والمعارضة الوطنية
انضم الرافعي إلى الحزب الوطني عند تأسيسه، وشارك في أول انتخابات برلمانية وفق دستور 1923، وتولى رئاسة المعارضة في مجلس النواب عن دائرة المنصورة، قبل أن يبتعد عن الحياة النيابية 14 عامًا، ثم يعود نائبًا في مجلس الشيوخ بالتزكية.
خلال هذه الفترة، كان صوتًا وازنًا في مواجهة السياسات الاستعمارية، وانتقد معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، مؤكداً أنها أكبر خطأ سياسي ارتكبه حزب الوفد. تولى وزارة التموين في حكومة حسين سري باشا عام 1949، وشارك في إعداد دستور 1953، ليظل مثابرًا على نشر الفكر القومي وبناء الوعي الوطني لدى الشعب المصري.
14 عامًا في البرلمان
يعد كتابه "14 عامًا في البرلمان" علامة بارزة في تاريخ الكتابات السياسية، إذ وثق فيه تجاربه في الحياة النيابية وما شهده من أحداث وطنية كبيرة.
اعتبر الرافعي أن الحياة البرلمانية تعكس تاريخ الأمة، وقدم في هذا الكتاب دراسة دقيقة للأحداث والنزاعات السياسية التي عاصرها، مع عرض رؤيته الفكرية والقانونية والسياسية.
ومن خلال هذا السجل، أصبح الرافعي مرجعًا لفهم مصر في فترة حساسة من تاريخها الحديث، حيث تداخلت السياسة الوطنية مع الضغوط الخارجية والصراعات الداخلية.
جندي الفكر والصحافة
وصفه مؤرخوه ومعاصروه بـ "غاندي التاريخ" لتمسكه بمبدأ اللاعنف في العمل السياسي، بينما أطلقوا عليه لقب "عاشق الصحافة والسياسة"، نظرًا لتفانيه في خدمة الوطن من خلال المحاماة، والعمل الصحفي، والنشاط السياسي.
كان الرافعي قريبًا من رموز الحركة الوطنية المصرية، مثل مصطفى كامل ومحمد فريد، وشكل معهم ثلاثيًا فريدًا في مواجهة الاحتلال البريطاني، بما في ذلك فضح جرائم الاستعمار في ملحمة دنشواي، مما أكسبه مكانة متميزة في التاريخ الوطني.
مكتبة للأجيال
رحل عبد الرحمن الرافعي عام 1966، دون أن يترك وراءه ثروة مالية، لكنه ترك إرثًا فكريًا هائلًا يتمثل في مكتبته الضخمة التي جمعها منذ كان طالبًا في مدرسة الحقوق، لتصبح مكتبة تضم آلاف الكتب والمخطوطات القيمة، والتي اعتبرت مرجعًا للأجيال الوطنية القادمة.
وقد طالبت أسرته الدولة بشراء المكتبة ووضعها في مكتبات عامة أو جامعات كبرى، لضمان استمرار فائدة تراثه الفكري للأجيال، وهي مكتبة فريدة تحوي محتويات لا توجد حتى في دار الكتب المصرية.