كيف أسس محمد بن طغج الإخشيدي دولته وحكم مصر بعيدا عن الخلافة العباسية؟
يوافق اليوم ذكرى ميلاد محمد بن طغج الإخشيدي، مؤسس الدولة الإخشيدية في مصر، والذي ولد في 8 فبراير عام 882م، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز حكام مصر في العصر العباسي المتأخر.
وينتمي الإخشيدي إلى أسرة ذات جذور تركية؛ فجده جف بن يلتكن كان من أوائل القادة الأتراك الذين خدموا في جيش الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد، بينما كان والده طغج من المقربين لأحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية، قبل أن تتغير ولاءاته السياسية لاحقًا مع اشتداد الصراعات في المشرق الإسلامي.
من الجندية إلى الحكم
نشأ محمد بن طغج في بيئة عسكرية وسياسية مضطربة، صقلت خبراته في الإدارة والحرب، ومهدت الطريق أمامه لتولي مناصب مهمة في الدولة العباسية، ومع تصاعد الأخطار التي كانت تهدد مصر، خاصة محاولات الفاطميين الزحف إليها، برز اسم محمد بن طغج كقائد قادر على فرض الاستقرار وحماية الولاية، وهو ما لفت أنظار الخلافة العباسية إليه.
تولي حكم مصر
تولى محمد بن طغج حكم مصر في عهد الخليفة العباسي أبو العباس محمد الراضي بالله، ابن المعتضد، الذي تولى الخلافة بعد خلع أخيه القاهر بالله سنة 322هـ، وجاء تعيين الإخشيدي واليًا على مصر مكافأة له على جهوده في صد الهجمات الفاطمية، والحفاظ على تبعية مصر الاسمية للخلافة العباسية، في وقت كانت فيه الدولة تعاني من ضعف شديد وسطوة الحرس التركي.
لقب الإخشيد والاستقلال الفعلي
بعد أن استقرت له الأمور في مصر، طلب محمد بن طغج من الخليفة الراضي بالله أن يمنح لقب «الإخشيد»، وهو لقب كان يطلق على ملوك إقليم فرغانة في آسيا الوسطى، رغبة منه في ربط نسبه بالملوك الأتراك هناك.
وقد وافق الخليفة العباسي على منحه اللقب، ليصبح «الإخشيد» بمعنى «الملك» بلغة تلك المنطقة، ومع مرور السنوات، تمكن محمد بن طغج من تعزيز نفوذه، ليحقق استقلالًا فعليًا عن الدولة العباسية عام 940م، مع بقاء الولاء الشكلي للخلافة.
ازدهار الدولة الإخشيدية
استمر حكم الدولة الإخشيدية في مصر نحو خمسة وثلاثين عامًا، شهدت خلالها البلاد قدرًا من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والثقافي، خاصة في ظل إدارة قوية اعتمدت على ضبط الأمن وتنظيم الموارد، وكان لهذا الاستقلال أثر واضح في تعزيز مكانة مصر الإقليمية، رغم استمرار الصراعات المحيطة بها.
رحل محمد بن طغج الإخشيدي عن عالمنا في 25 يوليو عام 946م، عن عمر ناهز 64 عامًا، تاركًا وراءه دولة قوية نسبيًا قياسًا بظروف العصر، ولا تزال بعض الآثار شاهدة على عصره، من بينها ضريح «طبا طبا» الذي أُسس في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، وشيده الإخشيدي بين عامي 935 و946م، ويُعد نموذجًا مميزًا للعمارة الإسلامية.
آثار باقية من العصر الإخشيدي
كما ينسب إلى العصر الإخشيدي مسجد الفقاعي، الذي أنشئ عام 1198هـ / 1783م، ولم يتبق من عناصره الأثرية سوى المئذنة والمنبر، ويعود نسب المسجد إلى أبي الحسن علي بن الحسن بن عبد الله الفقاعي، وقد بناه كافورالإخشيدي، ثم جُدد لاحقًا في عصور تالية، ليبقى شاهدًا على امتداد تأثير الدولة الإخشيدية في تاريخ العمارة المصرية.