رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي حدثًا أمنيًا عابرًا، لكنه مخطط سياسي مكتمل الدلالة، جرى في لحظة حساسة من عمر الصراع الليبي. فالاستهداف لم يطَل شخصًا فقط، بل أصاب مسارًا سياسيًا محتملًا، ووجّه رسالة رادعة مضمونها أن بعض القادة لن يُسمح لهم بالعودة إلى السلطة، وأن حياتهم قد تصبح ثمنًا لهذا الطموح.

كما يحمل الاغتيال رسالة تؤكد أن الخطوط الحمراء في ليبيا لا تزال تُرسَم بالقوة القهرية. فالقاتل، أيًا كان، أراد أن يقول إن الصندوق الانتخابي ليس الفيصل الحقيقي، وإن السلاح هو أداة الحسم في النهاية. هذه الرسالة ليست موجهة إلى أنصار سيف الإسلام وحدهم، بل إلى كل فاعل سياسي يفكّر في تحدي التوازنات المفروضة.

جاء الاغتيال في مناخ تهيمن عليه الولاءات التحتية على حساب الولاء الأسمى للوطن. ففي ليبيا اليوم، لا تُدار السياسة بمنطق البرامج أو الرؤى، بل بمنطق القبيلة والإقليم والمليشيا. وسيف الإسلام لم يكن يُنظر إليه كمواطن أو كسياسي، بل كرمز قبلي واجتماعي. وفي بيئة كهذه، يصبح الاغتيال أداة مباشرة لتصفية الخصوم، لأن الصراع لم يعد على بناء الدولة، بل على من يحتكر النفوذ والثروة.

وعليه، يبدو أن الدافع الأبرز وراء الاغتيال هو الخوف من إعادة إدماج تيار سياسي واسع ظلّ مقصيًا منذ 2011. فسيف الإسلام، بحكم تاريخه ونفوذه القبلي وامتداده الجغرافي، كان بمثابة طوق النجاة الأخير الذي يتمسك به أنصار نظام معمر القذافي (1969-2011)، بغية كسر احتكار المشهد من جانب قوى راكمت نفوذها عبر توظيف الانقسام والفوضى.

وسط هذه البيئة المضطربة، تصبح المصالحة الوطنية حلمًا بعيد المنال، بعدما صارت التفاعلات السياسية تُدار بمنطق "المبارايات الصفرية"، التي تمنح الفائز كل شيء، فيما لا يجني المهزوم سوى قبض الريح. فالمصالحة تفترض قبول الآخر داخل إطار الدولة، بينما واقع ليبيا المأزوم اليوم يقوم على إقصاء قسري متبادل، يغذيه القلق من فقدان المكاسب.

أما انتخابيًا، يظل السؤال المحوري هو: إلى من تؤول أصوات أنصار سيف الإسلام؟ هذه الكتلة، التي لن تختفي باغتيال رمزها، فجزء منها قد يتجه للمقاطعة جراء فقدان الثقة في العملية السياسية، وجزء آخر ربما يُعاد توظيفه من جانب قوى تسعى لوراثة هذا الرصيد السياسي، سواء عبر مرشحين محسوبين على النظام السابق لكنهم يفتقرون إلى رمزية سيف الإسلام، أو عبر صفقات مع قوى نافذة في بنغازي وطرابلس.

عمليًا، يبدو أن خروج سيف الإسلام من المشهد سيصب أكثر في مصلحة "خليفة حفتر" القائد العام للجيش، مقارنة بعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة. فالأول أقدر على توظيف الكتلة التصويتية لأنصار القذافي، خاصة في الشرق والوسط والجنوب، حيث تغلب اعتبارات الأمن والقبيلة والحنين إلى "الدولة المركزية" لدى شرائح كانت ترى في سيف الإسلام عودة للاستقرار المفقود.

أما الدبيبة، فرغم أن قاعدته الانتخابية الأكبر تتمركز بالإقليم الغربي (ثلثا سكان ليبيا)، فإن ارتباط حكومته بشبكات مصالح مليشياوية يجعله خيارًا غير جذاب لكتلة تبحث عن “استعادة الدولة” لا عن إدارة مرحلة انتقالية، خاصة بعد اتهامه بمحاولة التطبيع مع إسرائيل (اجتماع المنقوش-كوهين)، وإبرامه صفقات غامضة ربما تُبدد ثروات الوطن (اتفاق التنقيب عن الطاقة مع تركيا)، وتقوض سيادته الوطنية (تسليم ضابط الاستخبارات الليبي أبو عجيلة مسعود إلى واشنطن)، الأمر الذي قد يدفع الدبيبة للترويج لقدرته على تقديم الخدمات وإعادة بناء المؤسسات، أو عقد صفقات مع قبائل تنتمي إلى تيار سيف الإسلام.

في المحصلة، لا يعكس اغتيال سيف الإسلام نهاية شخصية سياسية، بقدر ما يكشف مأزق الشعب الليبي نفسه، الذي لم يحسم بعد خياره بين منطق الولاءات التحتية ومنطق الدولة. ليظل الرصاص أسبق من الصندوق، والاغتيال بديلًا عن التنافس السياسي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء