قال لي أحد الأصدقاء المصريين المقيمين في الولايات المتحدة إن الشعب الأمريكي لا يتقبل السينما الأمريكية لأنها لا تعبّر عن الواقع الحقيقي للمجتمع، بل تقدّم صورة مصنوعة وموجّهة. فأكثر من 95% من الأفلام الأمريكية مصنوعة في المخابرات الأمريكية، والتي تُنتج في إطار يخدم أهدافًا استخباراتية ودعائية، بهدف صناعة هوية بصرية تُصدَّر إلى العالم، تُظهر أمريكا باعتبارها نموذجًا للشجاعة والأخلاق والقوة وحماية حقوق الإنسان، بينما يختلف الواقع عن هذه الصورة، حيث تقوم هذه الأفلام على ترسيخ وهم الهيمنة والقوة التي لا تُقهر.
الوقائع العسكرية في فيتنام والصومال وأفغانستان والعراق أكدت عكس صورة التفوق المطلق، لولا تدخلات الحلفاء التي كانت عنصرًا أساسيًا في تقليل حجم الإخفاقات والهزائم.
فالسينما الأمريكية تعيد تقديم الهزائم بوصفها انتصارات درامية، كما حدث في تناول حرب فيتنام من خلال سلسلة أفلام “رامبو” التي قدّمت البطل الأمريكي في صورة المنقذ والمقاتل النبيل، بينما تم تجاهل حقيقة أن المواجهة كانت شعبية واسعة ضد الوجود الأمريكي الذي أباد عددًا كبيرًا من الشعب الفيتنامي للسيطرة عليهم وعلى مواردهم، فأنزل بهم الشعب هزيمة ساحقة، لكن سلسلة أفلام رامبو وغيرها كانت تعطي صورة مخالفة لما حدث.
وينطبق الأمر نفسه على أعمال تناولت ما جرى في الصومال، مثل فيلم “سقوط الصقر الأسود”، حيث ركّز على بطولة الجنود الأمريكيين وحرصهم الإنساني، مقابل تهميش مشاهد الضحايا والانتهاكات التي أُثيرت لاحقًا، والتي دفعت إلى تحركات أمريكية في الأمم المتحدة لمنع ملاحقة جنودها قانونيًا، خاصة بعد الجرائم الفظيعة التي حدثت في العراق، مثل وقائع “سجن أبو غريب”، وقتل واغتصاب عدد كبير من الشعب العراقي، حتى إنهم أنتجوا أفلامًا كثيرة مغايرة للواقع، ووصل بهم الأمر إلى إنتاج وترويج أفلام جنسية لإعطاء صورة مغايرة للمرأة العراقية.
فالسينما الأمريكية تقدّم سردًا مختلفًا يهدف إلى السيطرة على وعي المتلقي، وقد نجحوا في هذا بشكل كبير.
وطبعًا لن نندهش حينما تُصوَّر هذه الأفلام الشخصيات العربية والمسلمة في عدد كبير من الأفلام، في قوالب نمطية سلبية: إرهابيون، جهلاء، عنصريون أو معتدون، مقابل صورة الأمريكي المنقذ. فلا يمكننا أن ننسى المشهد الشهير في فيلم “يوم الاستقلال”، حيث ظهر العرب والمصريون في صورة بدائية متخلفة وسط الخيام والصحراء والجمال، وهم يهتفون للطائرات الأمريكية، بما يرسّخ صورة تخلف العربي في الوعي العالمي، وفي المقابل ظهرت إسرائيل وغيرها من الدول في موقع المسؤولية والقوة بعد الجيش الأمريكي. الغريب أن العرب أنفسهم يُقبلون على هذه الأفلام ويعرضونها في دور السينما والقنوات الرسمية دون إبداء أي اعتراض، وذلك بسبب قدرة أمريكا على فرض هذه الهوية البصرية المزيّفة.
أتذكر جيدًا حينما حاولت أمريكا أن تفرض هذا الأمر على الصين، وظهر “الدالاي لاما” في أحد الأفلام الأمريكية، لكن التنين الصيني أعلن رفضه بقوة، مهددًا السينما الأمريكية، مما أدى إلى تراجع هوليوود خوفًا من عدم استطاعتهم تحقيق أهدافهم ومصالحهم في حروبهم الخفية مع الدولة الصينية.
ولا تتوقف المسألة عند صورة الآخر وفرض الهيمنة الأمريكية، بل امتدت أيضًا إلى الأفلام التي تُسوَّق على أنها مستندة إلى قصص حقيقية، حيث يتم تزويرها وتغيير الوقائع جذريًا، والمبالغة في الأحداث، وتضمين مستويات عالية من العنف، والترويج لثقافات وسلوكيات مغايرة لقيم مجتمعات أخرى، بما يخدم ترسيخ الصورة البصرية المراد تصديرها عالميًا.
أن الهدف النهائي لما يحدث هو دفع الشعوب إلى تقبّل هذه الرسائل، رغم تعارضها مع القيم الدينية والثقافية، مما أدى إلى انتشار أنماط من السلوك مثل الرذيلة والفساد والجرائم التي تجدها مأخوذة من هذه الأفلام.
وفي الخطط الأمريكية الحالية، بعد نجاحها في تزييف الواقع والسيطرة على العقول، لم يعد “فرض الصورة” مقتصرًا على السينما، بل امتد إلى الواقع الميداني، وأصبحت الصورة تُفرض مباشرة، مثلما فعل وزير الدفاع الأمريكي حينما كتب على ذراعه كلمة “كافر”، التي كُتبت أيضًا على المدرعات الأمريكية الموجودة في سوريا. فهم هنا لا يرهبوننا بكفرهم، وأنهم لن يتورعوا أو يتراجعوا عن تدميرنا وإفادتنا إذا لم نستجب لمطالبهم، بل إن الأمر تجاوز ذلك ليرتبط بالواقع الحقيقي. فهذا الأمر مرتبط بفرض هوية بصرية عن ظهور المسيخ الدجال في آخر الزمان، والذي يظهر على جبهته كلمة (كافر)، وكما قال عدد من المسؤولين في الغرب إن الحرب حاليًا هي حرب دينية، فهم يستعدون لحرب آخر الزمان، والذي يقود فيها سيدنا عيسى (عليه السلام) العرب والمسلمون لهزيمة اليهود وإنهاء الشر.
ما يحدث حاليًا يحمل رسائل تخويف ورمزية تتجاوز البعد العسكري إلى بعد ديني وصراع أوسع، ويربط ذلك بتفسيرات دينية عن صراعات آخر الزمان، ومحاولات تهيئة الرأي العام بصريًا لتقبّل رموز وشخصيات بعينها.
فهذه الاستراتيجية نجحت بشكل كبير، بعدما أصبح الكثيرون جدًا يتقبلون هذه الرموز والمصطلحات دون إدراك لخطورتها، نتيجة ضعف الهوية الثقافية وهشاشة البنية المعرفية في بعض المجتمعات.
أن أمريكا التي قامت تاريخيًا على إبادة السكان الأصليين، وما تزال تعاني من مظاهر عنصرية، تسعى، وفق هذا التصور، إلى فرض صورة بصرية مغايرة للحقيقة حتى يتم قبولها دون مقاومة.
وهو أمر في غاية الخطورة، وأصبحنا في حاجة ماسّة إلى إدراك الأمر والوقوف له بالمرصاد ومحاربته، وإظهار الحقيقة، حتى لا ينتهي بنا الأمر نهائيًا إلى إبادتنا.