رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا يعود ملف إبستين الآن… ومن المستفيد من تسريب الصور والفيديوهات؟

إن قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية صادمة، بل تحولت منذ سنوات إلى اختبار قاسٍ لقدرة الصحافة على كشف ومواجهة شبكات نفوذ السلطة والمال، واختبار أخطر لقدرة العدالة على الصمود أمامه، وبين هذين الحدّين يولد سؤال لم يُحسم بعد: هل ما نراه اليوم من إعادة فتح الملف يأتي في إطار الشفافية أم هو شكل من أشكال الابتزاز الرقمي المنظّم؟

لم تبدأ القصة الحديثة لإبستين في قاعات الكونغرس، بل في غرفة تحرير، حين أعادت الصحفية الاستقصائية جولي براون فتح الملف عام 2018، بعدما كشفت بالتفصيل كيف تم إسكات الضحايا وحمايتهم من الملاحقة، مقابل حصول إبستين على صفقة قضائية مخففة عام 2008، فلم يكن هذا العمل الصحفي تسريبًا، بل تحقيقًا مهنيًا أعاد تعريف دور الصحافة كسلطة رقابية في مواجهة تواطؤ مؤسسي واضح.

هنا كان الخط الفاصل واضحًا تمامًا، فهي صحافة تبحث عن الحقيقة، لا عن الضغط، ولا عن توظيف المعلومات كسلاح. أما في 2026، فلم ترتبط عودة القضية لا بالصحافة ولا بالضحايا ولا بمسار قضائي جديد، بل بسلسلة من الإفراجات الجزئية عن وثائق وصور، ثم سحبها لاحقًا بسبب “أخطاء في التعتيم” كشفت بيانات حساسة للضحايا أنفسهم، بحسب وزارة العدل الأمريكية. هذه التطورات أعادت إشعال الجدل، لا حول إبستين فقط، بل حول من يملك البيانات، ومن يقرر توقيت نشرها، ولأي غرض.

منذ سنوات، تلاحق القضية روايات عن وجود وثائق عديدة بين “تسجيلات – صور – فيديوهات” تم ضبطها أو تداولها خارج الأطر الرسمية، ونفت ذلك السلطات الأمريكية مرارًا وتكرارًا، حتى إنها نفت وجود “قائمة عملاء” أو شبكة ابتزاز منظمة، لكن مع موجة تسريب الصور وظهور أسماء وشخصيات عامة يُطرح سؤال أخطر: هل تُستخدم هذه المواد لكشف الحقيقة أم لإدارة توازنات القوة عبر التهديد الضمني؟

ففي عصر الابتزاز الرقمي، لم يعد الضغط يحتاج إلى رسالة صريحة، أحيانًا يكفي تسريب صورة، أو إعادة تداول فيديو قديم، أو نشر اسم في سياق ملتبس، لخلق مناخ من الترهيب السياسي أو الإعلامي.

الصحافة الحرة vs اقتصاد الفضيحة

وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين الصحافة الحرة واقتصاد الفضيحة، ولم يكن تقنيًا فحسب بل جوهر أخلاقي؛ فالصحافة الحرة تنشر في إطار سياق، وتتحقق، وتربط الوقائع بمساءلة قانونية، أما اقتصاد الفضيحة فيعمل بمنطق “الصدمة”، بلا اكتمال للمعلومة، وبلا مسار عدالة، ما يحول الحقيقة إلى أداة ضغط بدل أن تكون أداة إصلاح.

إعادة تدوير صور إبستين مع شخصيات عامة، دون مسار قضائي واضح، قد تُرضي فضول الجمهور، لكنها لا تبني عدالة. بل قد تُنتج شكلًا جديدًا من السلطة: سلطة من يملك الأرشيف، لا من يملك الدليل القانوني.

ومن خلال التغطيات الصحفية الأمريكية نجد هذا المشهد العبثي:
نشرت وكالة AP News أن وزارة العدل الأمريكية اضطرت إلى سحب آلاف الوثائق من موقعها الرسمي بعد أخطاء في التعتيم، وهذا السحب أدى إلى الكشف عن بيانات وصور حساسة تخص الضحايا، مشيرة إلى أن بعض الضحايا تلقوا تهديدات واضطروا للاختفاء، وهنا يسلط التقرير الضوء على أن التسريب لم يُفضِ إلى عدالة بل إلى إيذاء جديد للضحايا.

أكدت شبكة CNN أن هذا التسريب يشير إلى خلل بنيوي في إدارة المواد الحساسة، وهذه الأطروحة تشير إلى أننا أمام فوضى معلوماتية تسمح باستخدام الصور كأداة ضغط.

أشارت مجلة TIME أن وزارة العدل نفسها اعترفت أن بعض المواد المُفرج عنها تضمنت “خطابات مزيفة – فيديوهات غير مؤكدة – صور بلا سياق”، وهو ما يحول الملف من بحث عن العدالة إلى سوق فوضوي لنشر الشائعات والضغط السياسي للنيل من شخصيات سياسية.

وتأتي تلك التغطيات وفوضى الصور بين الحقيقي والمزيف في الوقت نفسه الذي أكدت فيه وزارة العدل أنها سمحت لأعضاء الكونغرس فقط بالاطلاع على النسخ غير المعتمة مع منع النسخ أو التصوير… فكيف تم التسريب؟ ولأي سبب، إذ لا توجد اتهامات رسمية للشخصيات السياسية والمشاهير؟ وهنا نكتشف أننا أمام صور تُستخدم للإحراج لا للإدانة القانونية، صور تُستخدم لتوجيه الرأي العام لا العدالة.

فإن تغطيات كبرى المؤسسات الإعلامية لم تكشف فقط حجم الوثائق، بل كشفت فوضى إدارتها، ففي أكثر من حالة، ظهرت صور بوجوه مموهة ثم عادت للظهور بلا تعتيم، وتسربت بيانات ضحايا ثم سُحبت الملفات تحت ضغط قانوني. هذه الفوضى لم تُنتج شفافية، بل أنتجت مناخًا يسمح بتحويل الصورة إلى أداة ضغط، لا إلى دليل قضائي، وهنا يتحول الملف من تحقيق في جريمة إلى ساحة صراع على من يملك الأرشيف، ومن يقرر متى يظهر، ولمن… فمن يملك الوصول يملك المعرفة، ومن يملك المعرفة يملك ورقة ضغط.

لذا قد تبدو اللحظة الحالية رمادية؛ فهي ليست صحافة استقصائية خالصة، وليست ابتزازًا فاضحًا أيضًا، بل منطقة وسطى خطيرة، حيث تتحول المعلومات إلى أوراق ضغط، وتُدار الملفات الحساسة بتوقيتات سياسية وإعلامية محسوبة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يُعاد طرح ملف إبستين لإحقاق حق الضحايا، والنيل من المتهمين رغم نفوذهم السياسي والمالي، أم لإعادة ترتيب خرائط النفوذ عبر تذكير بعض الأسماء بأن “الملفات لم تُغلق بعد”؟

قضية إبستين لم تعد فقط قصة جريمة، بل قصة من يتحكم في الذاكرة الرقمية للعالم. وبين صحافة تكشف، وسلطة تحتفظ، ومنصات تسرّب، يضيع الخط الفاصل بين الشفافية والابتزاز.

وإن كان الهدف العدالة، فإن العدالة لا تُبنى بالصور، ولا تُستكمل بالتسريبات، بل بإرادة سياسية وقضائية لا تخاف من الأسماء الكبيرة… ولا تستخدم الملفات كسلاح في لعبة أكبر من الضحايا أنفسهم.

وإن كان إعادة التدوير والابتزاز، فإنها سياسة صهيوأمريكية متعارف عليها، وللتاريخ شواهد، فلسنا بحاجة لاستخدامنا ضمن الرأي العام كعرائس الماريونت لتحقيق أهداف أجندات مُسيّسة، وسياساتها لم تكن أبدًا لصالحنا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء