منذ أيام، انتهت المدة الزمنية لمعاهدة تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها، المعروفة إعلاميًا بمعاهدة ستارت الجديدة، ليدخل العالم مرحلة تتسم بقدر غير مسبوق من الغموض وعدم اليقين. فبانقضاء هذه المعاهدة، لم تعد القوى النووية الكبرى مقيدة بأي التزامات تعاهدية حقيقية تنظم تطوير وتعزيز قدراتها النووية، وهو ما يرفع من احتمالات عودة سباق التسلح النووي إلى الواجهة الدولية، في حقبة تتسم أصلًا بتصاعد تنافس القوى الكبرى، وتراجع فاعلية النظام الدولي، وانتشار الصراعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم.
تملك كل من الولايات المتحدة وروسيا نحو 90% من إجمالي الرؤوس النووية عالميًا، بينما تتوزع النسبة المتبقية، والمقدرة بنحو 10%، على كل من الصين وفرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية. وبحكم هذا الثقل النووي الاستثنائي، شكّلت العلاقة النووية بين موسكو وواشنطن لعقود طويلة محور منظومة ضبط التسلح النووي العالمية، ليس فقط من حيث الأرقام، بل من حيث القواعد والمعايير الناظمة لاستخدام وإدارة أخطر أدوات القوة العسكرية.
وانطلاقًا من ذلك، أبرمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ثم روسيا لاحقًا، سلسلة من الاتفاقيات الثنائية المحددة بأطر زمنية، هدفت إلى ضبط قواعد تطوير ونشر الرؤوس النووية وآليات إطلاقها، والحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة نووية غير مقصودة. ففي سبعينيات القرن العشرين، انتقلت الدولتان إلى ضبطٍ ثنائي للتسلح عبر محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت الأولى والثانية)، إذ انتهى العمل باتفاق سالت الأولى عام 1977، بينما لم تدخل سالت الثانية حيّز النفاذ أصلًا، وانقضى الالتزام غير الرسمي بها بحلول عام 1985. وتلا ذلك اتفاق الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM) الموقعة عام 1972، والتي استمرت حتى الانسحاب الأمريكي منها عام 2002.
وفي أواخر الحرب الباردة، اتجهت الجهود إلى تخفيضات أعمق مع معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF) الموقعة عام 1987، والتي ألغت فئة كاملة من الصواريخ قبل أن تنهار عام 2019، ثم اتفاقية ستارت الأولى التي دخلت حيّز التنفيذ عام 1994 وانتهت عام 2009. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تقلص نطاق ضبط التسلح النووي، لكنه لم يختفِ تمامًا، ليتوّج بمعاهدة ستارت الجديدة الموقعة عام 2010، والتي مُدّدت مرة واحدة قبل أن تنتهي في فبراير 2026، في دلالة واضحة على تآكل منظومة الضبط الثنائي وانتقالها من أطر شاملة لبناء الثقة إلى ترتيبات هشة ومحدودة.
واعتبارًا من الخامس من فبراير 2026، أصبح العالم فعليًا خاليًا من أي ضوابط قانونية ملزمة تحد من قدرة أكبر قوتين نوويتين على تطوير ترسانتيهما الاستراتيجيتين. وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، يضفي غياب ضبط التسلح النووي بعدًا إضافيًا لحالة السيولة والاستقطاب الدولي، بما قد يعيد العالم إلى سباق تسلح نووي لم يشهد مثيلًا له منذ ما يقرب من نصف قرن.
وقد أبدت روسيا في فترات سابقة انفتاحًا على إمكانية تمديد العمل بالاتفاقية، إلا أن إدارة ترامب تجاهلت الطروحات الروسية، انطلاقًا من رغبة واشنطن في صياغة إطار جديد للحد من التسلح النووي يتجاوز الإطار الثنائي ليشمل الصين، في ضوء تقارير تحدثت عن سعي بكين إلى توسيع ترسانتها النووية من حيث عدد الرؤوس الحربية وآليات الإطلاق. غير أن الصين رفضت المقترح الأمريكي، مستندة إلى اختلال بنيوي واضح في أحجام الترسانات، إذ إن ترسانتها، التي لا يتجاوز حجمها نحو 600 رأس نووي، لا يمكن مقارنتها بترسانتي الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلك كل منهما أكثر من 5000 رأس نووي.
ويتزامن انتهاء مفعول معاهدة ستارت الجديدة مع تلويحات روسية وأمريكية بإمكانية العودة إلى إجراء تجارب نووية، وهو تطور بالغ الخطورة يعكس مدى التصدع الذي أصاب النظام الدولي، لا سيما آليات الحد من الانتشار النووي، ويشير إلى تراجع أحد أكثر المحرمات الاستراتيجية رسوخًا منذ نهاية الحرب الباردة.
في المحصلة، لا يمثل انتهاء مفعول معاهدة ستارت الجديدة مجرد سقوط اتفاق تقني لتنظيم أعداد الرؤوس النووية، بل يعكس انهيارًا أعمق في منطق إدارة التنافس بين القوى الكبرى ذاته. فغياب أي قيود تعاهدية بين القوتين الأعظم نوويًا، في لحظة يتسم فيها النظام الدولي بتآكل الثقة وتغليب منطق القوة العارية، يفتح الباب أمام عودة سباق تسلح نووي غير منضبط، لا تحكمه قواعد ولا تضبطه آليات تحقق أو شفافية. والأخطر أن التلويح المتبادل بالعودة إلى التجارب النووية يشير إلى تراجع أحد أعمدة الاستقرار الاستراتيجي العالمي، بما يحمله ذلك من دلالات على أزمة أعمق في النظام الدولي المعاصر وقدرته على كبح أخطر أدوات العنف المنظم، في عالم باتت فيه الأسلحة النووية تُستعاد بوصفها أدوات سياسية نشطة، لا مجرد ملاذات ردعية أخيرة.