رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تمر ساعات قليلة على نشر ملايين الوثائق والصور والفيديوهات المرتبطة بقضية جيفري إبستين، إلا وأصبحت القضية حديث الساعة؛ كأنها زلزال عالمي ضرب منظومة الحضارة الحديثة في مقتل، وكشف عن الوجوه القبيحة والقلوب الوحشية التي تسكن وتختبئ في زخم الأضواء البراقة.


أصبحت حكاية جزيرة إبستين، على كل لسان، وكل دولة تقريبًا وكل مكان في العالم بدأ يبحث عن الأشخاص المشاهير في هذه الدولة أو المجتمع وعلاقتهم بالجزيرة المشبوهة التي حوكم صاحبها بتهمة المتاجرة بالبشر واستغلال القاصرات، ومات في السجن في ظل ظروف يصفها البعض بالغامضة، ولم يتم الوقوف على سبب الوفاة الحقيقي؛ هل هو الانتحار شنقًا في زنزانته كما ذكرت مسؤولة الطب الشرعي، أم القتل شنقًا بحسب ما ذكر البعض أن كاميرات المراقبة بها نحو 3 دقائق مفقودة. 

وهذه الوفاة الغامضة بعد شهر من سجنه في عام 2019 أمر متوقع بسبب شبكة علاقاته الممتدة والمتشعبة على مستوى العالم.


الصور والفيديوهات والوقائع والاتهامات الموجهة لجيفري إبستين؛ لم تتوقف عنده أو عند رفيقته غيسلين ماكسويل، التي كانت شريكة له في تجنيد الفتيات واستقطابهن للجزيرة التي كان يمتلكها إبستين، والتي استضاف فيها نخبة من رجال السياسة والمال والأعمال في العالم كله، ومن بينهم كما يظهر في الفيديوهات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والأسبق بيل كلينتون، والأمير أندرو من الأسرة المالكة البريطانية، وولية عهد النرويج، وحتى رجال المال والتكنولوجيا مثل إيلون ماسك وبيل غيتس، وردت أسماؤهم وارتبطوا بعلاقات مريبة مع هذا الشخص.


ما الذي فعله إبستين؟ في الحقيقة هو حاول أن يعيد إنتاج فكرة المجتمع المفتوح بطريقة مثالية، وكأنه بعد أن أصبح مليارديرًا ورجل أعمال له علاقات واسعة قرر أن يشبع هوسه بالاغتصاب والاعتداء والعنف والاستغلال للأطفال والقاصرات، ولم يكن هذا الأمر خاصًا به وحده، لكن يبدو أنه وجد صدى لدى الكثير من رجال الأعمال والمليارديرات المهووسين.


من القواعد الموجودة في علم النفس والمعروفة للمتخصصين؛ أنه في حال وجد الإنسان نفسه حرًا وبعيدًا عن المراقبة، ولديه سلطة ليفعل أي شيء يريده، فمن السهل جدًا أن يتحول إلى وحش، وأن يفقد سماته البشرية، وتنطلق كل رغباته دون خوف من شيء؛ فهو لن يخضع للعقاب أو للمساءلة أو حتى معرفة أنه ارتكب هذا الفعل.


لهذا السبب اخترع الإنسان القواعد العامة التي تحكم سلوك البشر وتحافظ على سلوكهم متزنًا قويمًا بقدر الإمكان، ولهذا السبب ظهرت الأديان والقيم والأخلاق، ومن بعد ذلك الدساتير والقوانين. 

لكن ماذا لو وجد الشخص مكانًا آمنًا يفعل فيه ما يحلو له بعيدًا عن كل هذه المفردات المقيدة لحريته والمهذبة لوعيه ومشاعره وأفكاره؟ لا شك أنه سيخرج رغبات مخيفة من أكثر المناطق المظلمة في عمق نفسه لتظهر في العلن على شكل أفعال شريرة وشاذة ومخيفة تصل للاغتصاب والعنف وحتى أكل لحوم البشر، مثلما صرخت إحدى الضحايا في فيديو شهير حول حفلات إبستين والطقوس الغريبة التي ربما كانت تتم ممارستها في هذه الحفلات التي أشاع البعض أنها تحمل الطابع الماسوني، وهي أمور غريبة ومخيفة بالنسبة للبشر الأسوياء، لكنها بدت عادية ومعتادة في هذه الجزيرة التي نجح صاحبها في صنع بيئة ملائمة ينعم فيها المهووسون بكل ما يريدونه وكأنهم في جنتهم الشخصية.


قضية إبستين وجزيرته المثيرة للجدل هي نوع من التمثل الحي والواقعي لفكرة الجنة التي يحلم بها ويتمناها المهووسون حول العالم، وكلما تحقق الإنسان أكثر وحصل على الثروة والنفوذ بحث أكثر عن طريقة يشبع بها هوسه، وهو ما يفسر وجود نخبة العالم في جزيرة إبستين وفي ملفات قضيته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء