تشهد اليوم العاصمة العُمانية مسقط واحدة من أكثر الجولات التفاوضية حساسية في تاريخ الصراع الأمريكي–الإيراني، في لحظة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع استعراض القوة، وتُدار فيها المفاوضات على إيقاع حاملات الطائرات ومنصات الصواريخ. فبينما تحشد الولايات المتحدة أكبر انتشار بحري لها في الخليج منذ عقود، تُلوّح إيران بقدراتها الصاروخية ومنشآتها المخبأة تحت الأرض، لحظة تتحول فيها مسقط إلى ساحة اختبار أخير لإمكانية تجنّب انفجار إقليمي واسع. في هذه الجولة من المفاوضات لا تُستخدم الدبلوماسية بديلًا عن القوة، بل تُمارس على حافتها.
ما يلفت الانتباه في هذه الجولة ليس مضمون التفاوض فقط، بل شكله أيضًا. فالوفد الأمريكي لا تقوده شخصيات دبلوماسية تقليدية، بل رموز "فن الصفقة" المقربون من الرئيس دونالد ترامب؛ حيث تعكس تركيبة الوفد الأمريكي طبيعة التحول الجذري في مقاربة واشنطن للملف الإيراني، فحضور شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يشير إلى أن الإدارة الأمريكية لا تسعى إلى إحياء اتفاق نووي تقني–فني شبيه باتفاق 2015، بل إلى إعادة هندسة شاملة للبيئة الإقليمية وفق منطق الصفقة الكبرى.
وجود كوشنر تحديدًا يحمل رسالة سياسية مفادها أن الملف الإيراني لم يعد بمعزل عن ترتيبات الأمن الإقليمي، أو عن معادلات التطبيع والتحالفات في الشرق الأوسط.
في المقابل، يدخل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الجولة وهو يواجه أصعب اختبار في مسيرته السياسية. فالرجل الذي كان أحد مهندسي اتفاق 2015 يجد نفسه اليوم أمام إدارة أمريكية ترفض مبدأ "الخطوة مقابل خطوة"، وتتبنى مقاربة صفرية تقوم على منطق “الكل أو لا شيء”؛ حيث تتبنى منطقًا صفريًا يقوم على تحقيق مكاسب استراتيجية شاملة أو الذهاب نحو التصعيد. ومع ذلك، تحرص طهران على إبقاء مسار التفاوض مفتوحًا، ليس تعبيرًا عن تنازل جوهري، بل كجزء من إدارة الوقت والضغط وتفادي مواجهة عسكرية قد تكون كلفتها باهظة.
تكشف أجندة المفاوضات عن فجوة عميقة في الخطوط الحمراء. فواشنطن، التي رفعت سقف مطالبها، تطالب بتصفير التخصيب النووي وتسليم اليورانيوم المخصب، وتفكيك البرنامج الصاروخي، ووقف الدعم الإيراني للقوى الحليفة في الإقليم، وملف حقوق الإنسان والتعامل مع المتظاهرين، وقد حرصت الولايات المتحدة على إبقاء التهديد العسكري قائمًا باعتباره أداة ضغط تفاوضي، ورسالة مفادها أن البدائل غير الدبلوماسية جاهزة، بينما ترى طهران في هذه المطالب مساسًا بجوهر عقيدتها الردعية، وأمنها القومي وسيادتها وكرامة أمتها.
ومع ذلك، تحرص القيادة الإيرانية على إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، ليس انطلاقًا من مرونة استراتيجية، بل في إطار كسب الوقت وتخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية.
هذه الفجوة تجعل من التوصل إلى صفقة كبرى أمرًا بالغ الصعوبة، وتفتح الباب أمام حلول مؤقتة لا تعالج جذور الصراع بقدر ما تؤجل انفجاره.
ولا يمكن قراءة مفاوضات مسقط بمعزل عن مواقف القوى الإقليمية. دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تميل إلى دعم اتفاق شامل يضمن أمن الطاقة والملاحة، ويحد من التهديدات الصاروخية، انطلاقًا من إدراكها أن أي مواجهة عسكرية ستكون لها تداعيات مباشرة على أمنها الداخلي.
أما مصر، فتنظر بقلق إلى انعكاسات التصعيد على الأمن القومي العربي وأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وعلى التوازن الإقليمي والتداعيات الاقتصادية، بينما تحاول تركيا المناورة بين مصالحها الاقتصادية مع إيران والتزاماتها داخل حلف الناتو وعلاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، محذرة من فراغ أمني قد تستفيد منه جماعات مسلحة عابرة للحدود.
أما إسرائيل، فرغم غيابها عن طاولة التفاوض، تظل هي العامل الأكثر تأثيرًا في سياسة الولايات المتحدة. إذ تضع تل أبيب خطوطًا حمراء صارمة تتعلق بإنهاء أي قدرة إيرانية على الاقتراب من العتبة النووية، وتطلب حرية التعامل مع التهديدات الإيرانية، وترفض أي تسوية جزئية ترفع بموجبها العقوبات الاقتصادية وتمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا دون نزع حقيقي لأدوات القوة، متمثلة من وجهة نظرها في البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي.
وفي هذه اللحظة الفارقة، لا يقتصر التصعيد الأمريكي على البعد العسكري، بل يحمل كلفة اقتصادية وسياسية داخلية، فتكلفة تشغيل مجموعة قتالية بحرية واحدة تصل إلى ملايين الدولارات في اليوم الواحد، ما يعني أن واشنطن استثمرت في خيار الردع، وجعلت التراجع دون مكاسب سياسية واضحة أمرًا بالغ الكلفة على إدارة ترامب.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية: السيناريو الأول يتمثل في اتفاق مؤقت يهدف إلى تبريد الأزمة ومنع التصعيد الفوري، وهو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القصير. السيناريو الثاني يتمثل في صدام محدود عبر ضربات جراحية قد تتوسع لتشمل دولًا أخرى في الإقليم. السيناريو الثالث يتمثل في انهيار كامل للمسار الدبلوماسي والعودة إلى سياسة الضغوط القصوى، بما قد يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، وهو السيناريو الأخطر.
ما أود قوله هنا، إن مفاوضات مسقط 2026 تمثل لحظة فاصلة في تاريخ الصراع الأمريكي–الإيراني. فهي اختبار حقيقي لقدرة رجال "فن الصفقة" على إدارة أخطر ملفات الشرق الأوسط، كما تمثل اختبارًا حقيقيًا لصبر إيران الاستراتيجي وحدود ردعها. وبين حسابات القوة ومخاطر الانزلاق، ينتظر الشرق الأوسط ما ستسفر عنه غرف التفاوض في مسقط: هل تكون تسوية مؤقتة تؤجل الانفجار، أم فشلًا يعجّل به؟