باحثة: الطفولة تواجه مخاطر تربوية وفكرية معقدة بسبب الحصار الرقمي
قالت الدكتورة أسماء مطر، الباحثة بوحدة التقارير الدورية بمرصد الأزهر الشريف، إن الطفولة لم تعد اليوم تعيش في فضائها الطبيعي المبني على الاكتشاف والتفاعل الإنساني المباشر، بل أصبحت محاصرة بفضاء رقمي واسع يتسلل إلى تفاصيل وعي الأطفال والمراهقين، عبر الهواتف المحمولة التي تحولت من وسيلة تواصل ومعرفة إلى بوابة مفتوحة على مخاطر تربوية وأمنية وفكرية معقدة.
وأضافت أن أبرز هذه المخاطر يتمثل في مسارات التطرف والاستقطاب المبكر، حيث أن الاستخدام غير المنظم للهاتف المحمول مع الأطفال والمراهقين الذين لم يكتمل وعيهم النقدي بعد، يجعلهم هدفًا مباشرًا للتأثير الفكري والخطر الأيديولوجي.
أدوات الاستقطاب الحديثة
وأضافت مطر، خلال لقاء على فضائية الحياة، أن التنظيمات المتطرفة لم تعد تعتمد على اللقاءات المباشرة أو الخطاب التقليدي، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، مستهدفة الأطفال والمراهقين من خلال الألعاب الإلكترونية الجماعية، حيث تبنى علاقات وهمية تمكن من تمرير رسائل أيديولوجية مشوهة، تعيد تعريف العنف على أنه بطولة، فضلاً عن استخدام غرف الدردشة المغلقة التي تمنح الأطفال إحساسًا بالخصوصية والانتماء لمجتمع افتراضي بديل للأسرة، وهذه الاستراتيجيات تجعل الأطفال هدفًا مباشرًا في المعركة الحديثة، التي أصبحت معركة معرفية وتربوية في المقام الأول، وليست فقط أمنية أو عسكرية، ما يستلزم مقاربة متكاملة للتصدي لها تشمل الوعي والتربية والمشاركة الأسرية النشطة.
وأشارت الدكتورة أسماء مطر، إلى أن مواجهة التطرف الرقمي لا يمكن أن تكون عبر المنع المطلق أو التخويف، بل تحتاج إلى استراتيجية شاملة تعتمد على بناء وعي نقدي مبكر لدى الأطفال، إنتاج محتوى رقمي بديل وجاذب، وتدريب الوالدين والمعلمين على فهم أدوات الاستقطاب الحديثة، وهذه الاستراتيجية تعتمد على التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وتجنب انحرافاتها، وهو ما يتوافق مع تعاليم القرآن الكريم التي تدعو إلى الوسطية، مثل قوله تعالى: «وجعلناكم أمة وسطا»، وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، لتأسيس مسؤولية وقائية شاملة تشمل حماية العقل والقيم والوجدان.
التشريعات وحدود الفاعلية
وأوضحت أن العديد من الدول أدركت خطورة الانفلات الرقمي وصدرت تشريعات لتنظيم استخدام الأطفال للهواتف المحمولة والإنترنت، مثل تحديد سن أدنى، فرض قيود زمنية، وإلزام الشركات بحماية بيانات الأطفال، لكن هذه القوانين تظل محدودة الفاعلية إذا لم تتكامل مع الرقابة الأسرية الواعية، حيث يكون الهاتف غالبًا في البيت قبل أن يكون تحت أي رقابة قانونية.
وأكدت أن الرقابة الأسرية الواعية تعني المشاركة بدل التجسس، وتشمل الحوار المفتوح مع الأبناء حول ما يشاهدونه، وضع قواعد واضحة للاستخدام الزمني والمحتوى، وتقديم بدائل واقعية للانتماء والنجاح، مع التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وعدم الانعزال عن الواقع.
التكنولوجيا أداة والوعي هو الحصن
وفي ختام حديثها، شددت الدكتورة أسماء مطر على أن التكنولوجيا نفسها ليست خطرًا، بل غياب البوصلة الأخلاقية والمعرفية هو ما يجعل استخدامها محفوفًا بالمخاطر، لافتة إلى أهمية توجيه استخدام الهاتف المحمول والإنترنت نحو التعليم وبناء القيم، وتحويل هذه الوسائل إلى أدوات لتعزيز المعرفة والوعي لدى الأطفال والمراهقين، بدلاً من أن تصبح بوابة للتطرف والاستقطاب المبكر.

