محمد عبد المنعم: زيارة أردوغان للقاهرة تعيد رسم خريطة التوازن الإقليمي
أكد اللواء محمد عبد المنعم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية سابقًا، أن الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة جاءت في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا، وتعكس تحولًا واضحًا في مسار العلاقات المصرية التركية، بعد سنوات من التباعد السياسي والخلافات الإقليمية.
وأوضح أن الدول الكبرى تميل دائمًا إلى بناء شراكات استراتيجية مع دول تمتلك وزنًا إقليميًا ومواقف ثابتة في القضايا المحورية، مشيرًا إلى أن تركيا، المصنفة تاسع قوة عسكرية عالميًا والثانية داخل حلف الناتو، تتحرك وفق هذا المنطق، وهو ما يفسر محطات زيارة أردوغان لكل من السعودية ثم مصر.
ملفات إقليمية على طاولة القاهرة وأنقرة
وأضاف عبد المنعم، خلال لقاء على فضائية الحياة، أن الزيارة ناقشت عددًا من الملفات الإقليمية الشائكة، في مقدمتها تطورات الحرب في غزة، والأزمة السودانية، والوضع في الصومال، إلى جانب التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة، لافتًا إلى وجود تقارب واضح في الرؤى بين القاهرة وأنقرة حيال هذه القضايا خلال الفترة الأخيرة، حيث أن التعاون لم يقتصر على البعد السياسي فقط، بل امتد إلى الجوانب الاقتصادية والأمنية والعسكرية، مع الحديث عن عودة المناورات البحرية المشتركة بين مصر وتركيا، وعلى رأسها مناورات جسر الصداقة، وهو ما يمثل تطورًا لافتًا في العلاقات الثنائية.
وأكد اللواء محمد عبد المنعم، أن هذا التقارب يثير قلق بعض الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتهم إسرائيل، وليس اليونان أو قبرص، موضحًا أن القاهرة تحافظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف في شرق المتوسط، بينما يتركز القلق الحقيقي لدى حكومة بنيامين نتنياهو، حيث أن التحركات الجارية قد تمهد لتشكيل تحالف استراتيجي عربي إسلامي يضم مصر وتركيا والسعودية، مع احتمالات انضمام باكستان كقوة نووية، وإندونيسيا كقوة بشرية كبرى، معتبرًا أن مثل هذا التكتل، حال اكتماله، سيُحدث تحولًا جوهريًا في ميزان القوى بالمنطقة.
حملات إعلامية ومحاولات إفشال مبكر
ولفت إلى أن تصاعد الحملات الإعلامية المعادية للتقارب المصري التركي يعكس حالة ارتباك لدى بعض الدوائر، مشيرًا إلى إعادة تداول تصريحات قديمة للرئيس أردوغان تعود إلى عام 2018، في محاولة للتشكيك في مسار العلاقات، رغم أن أردوغان زار مصر أكثر من مرة بعد عودة العلاقات الدبلوماسية.
وأكد أن التغير في المواقف السياسية أمر طبيعي في العلاقات الدولية، خاصة بعدما أدركت أنقرة صواب الموقف المصري تجاه جماعة الإخوان المسلمين، التي باتت مصنفة كجماعة إرهابية لدى عدد متزايد من الدول، وهو ما دفع تركيا إلى تعديل سياساتها وإعادة ضبط علاقاتها مع القاهرة منذ عام 2023.
احتواء الأزمة الإيرانية الأمريكية
وتطرق اللواء محمد عبد المنعم، إلى توقيت الزيارة، معتبرًا أنه يحمل دلالات خاصة قبيل انعقاد اجتماع مهم في سلطنة عمان بشأن الأزمة الإيرانية الأمريكية، مشددًا على أن مصر وتركيا والسعودية لعبت دورًا محوريًا في دفع واشنطن نحو خيار التفاوض بدلًا من التصعيد، موضحًا أن الإدارة الأمريكية منقسمة بين تيار متشدد يرفض أي تخصيب نووي إيراني، وتيار آخر أكثر مرونة يقبل بالتخصيب للأغراض السلمية، في ظل انقسام مشابه داخل إيران بين المحافظين والإصلاحيين، ما يجعل مسار التفاوض بالغ التعقيد.
واختتم اللواء محمد عبد المنعم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية سابقًا، بالإشارة إلى أن إيران تدخل المفاوضات وهي تحت ضغوط اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، مما يجعلها أمام خيارين أحلاهما مر، إما تقديم تنازلات تؤدي إلى تخفيف العقوبات، أو الاستمرار في المواجهة بما يهدد استقرار النظام داخليًا، حيث أن أي تصعيد إسرائيلي منفرد لن يحدث دون ضوء أخضر أمريكي، مرجحًا أن واشنطن لن تسمح بانفجار الأوضاع في المنطقة، نظرًا لحجم التداعيات المحتملة على المصالح الدولية وأسواق الطاقة واستقرار الشرق الأوسط.

