الغريب في زماننا هذا أننا نملك إجابات جاهزة عن كل شيء، ومع ذلك نعيش في حيرة دائمة، الهاتف في يدك يعرف الطريق، والطقس، وأخبار العالم، وحتى عدد خطواتك، لكنه لا يعرف لماذا تشعر بهذا الفراغ المفاجئ وأنت تحدّق في الشاشة.
هذا الجيل لا يعاني من نقص المعرفة، بل من تخمة المعلومات. نقرأ كثيرًا، نشاهد أكثر، نعلّق على كل شيء، ثم ننام ونحن نشعر أن يومنا كان مزدحمًا بلا معنى، كأننا ركضنا في سباق طويل، واكتشفنا عند خط النهاية أننا لم نكن نعرف وجهتنا أصلًا.
في الماضي، كان الإنسان يبحث عن الحقيقة، اليوم الحقيقة تبحث عن الإنسان، تقفز إليه من الإشعارات، وتتزاحم أمامه حتى يفقد القدرة على التمييز. لم نعد نسأل: هل هذا صحيح؟ بل نسأل: هل هذا منتشر؟ وهنا تبدأ المشكلة.
العلاقات أصبحت خفيفة الوزن، تبدأ بزر وتنتهي بزر، المشاعر قابلة للتأجيل، والغياب لا يُقلق، لأن البدائل دائمًا حاضرة. نحن أول جيل يعرف كيف يتواصل طوال الوقت، ويشعر بالوحدة طوال الوقت أيضًا.
الأكثر طرافة أو مأساوية أن الإنسان الحديث يخاف من الصمت، الصمت صار مساحة خطرة، لأنه يجبرك على مواجهة نفسك، لذلك نملؤه بأي شيء: موسيقى، مقاطع قصيرة، أحاديث بلا روح، المهم ألا نسمع ذلك الصوت الداخلي الذي يسأل: إلى أين؟
ربما ليست مشكلتنا في التكنولوجيا، بل في السرعة. نحن نعيش بسرعة لا تترك للروح وقتًا للفهم، نمر على الحياة كما نمر على الأخبار، نقرأ العنوان، ونتجاهل التفاصيل، ثم نظن أننا فهمنا القصة كاملة.
وسط كل هذا الضجيج، تظل الحقيقة البسيطة مزعجة، الإنسان لا يحتاج لكل هذا ليكون سعيدًا، لكنه أقنع نفسه أن السعادة مؤجلة بعد التحديث القادم.
وهكذا نعيش.. متصلين بكل شيء إلا بأنفسنا.