جدل واسع حول مقال وزير التعليم بمنصة المنتدى الاقتصادي العالمي
أثار مقال وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، المنشور على منصة المنتدى الاقتصادي العالمي، جدلاً واسعًا بين الخبراء التربويين في مصر، حيث تباينت الآراء بين انتقاد لاذع يشير إلى غياب مضمون حقيقي، وإشادة مشروطة تعتبر المقال خطوة مهمة على طريق تطوير منظومة التعليم وربطها بسوق العمل، في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي لمتابعة التجربة المصرية في مجال التعليم الفني وربطه بمتطلبات سوق العمل العالمي.
علق الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، على المقال، مؤكدًا أن خطاب الوزير جاء بعيدًا تمامًا عن جوهر المنتدى وطبيعته الاقتصادية، وافتقر إلى أي رؤية تربط التعليم فعليًا باقتصاد المعرفة.
وقال عبدالعزيز في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" إن الحديث في منصة منتدى اقتصادي عالمي له معاييره وسياقه، وكان من المفترض على وزير التعليم أن يوضح بشكل صريح: ماذا قدمت الدولة في مجال اقتصاد المعرفة؟ مشددًا على أن العالم بأسره يتجه اليوم إلى تعليم ذي قيمة اقتصادية حقيقية، مضيفًا: «أي تعليم لا يضيف قيمة اقتصادية للإنسان هو تعليم بلا جدوى».
ماذا فعل وزير التعليم فعليا لتطوير العملية التعليمية
وتابع عبدالعزيز أن التعليم في جوهره عملية استثمار في البشر، واستثمار في المعرفة، متسائلًا: ماذا فعل وزير التعليم فعليًا لتطوير العملية التعليمية من هذا المنطلق؟ وهل انعكس ذلك على سياسات واضحة مرتبطة بالاقتصاد، أم اقتصر الخطاب على شعارات مكررة عن الكثافات الطلابية وعدد الحصص دون مضمون حقيقي؟.
وأكد أن الحديث عن معالجة الكثافة الطلابية لا يكون بعدد الطلاب داخل الفصل فقط، وإنما بنسبة عدد المعلمين إلى عدد الطلاب، معتبرًا أن تكديس الطلاب داخل الفصول، وتقليص زمن الحصة، والعمل بنظام الفترات لا يعد حلًا، بل يفرغ العملية التعليمية من مضمونها ويؤثر سلبًا على جودتها.
وانتقد عبدالعزيز بشدة طرح «البكالوريا» باعتبارها إنجازًا، متسائلًا عما إذا كانت بكالوريا حقيقية بمعايير دولية، أم مجرد مسمى شكلي يستخدم للترويج الإعلامي، في حين أن المحتوى التعليمي «مخوخ» ولا يحمل تطويرًا فعليًا. كما تساءل عن ميزانية التعليم، قائلاً: هل قامت الدولة بزيادة حقيقية في الإنفاق على التعليم باعتباره استثمارًا طويل الأجل؟ أم تم الضغط على التعليم الحكومي لصالح التوسع في التعليم الخاص؟ مؤكّدًا أن أي حديث عن تطوير دون دعم مالي حقيقي هو كلام بلا أثر.
واختتم عبدالعزيز تصريحاته بالتأكيد على أن تغيير الوزراء دون تغيير السياسات سيبقي التعليم في دائرة مغلقة، مشددًا على أن الإرادة الحقيقية للإصلاح تفرض ضمان حق الفقراء في التعليم، حتى مع وجود تعليم خاص أو بمصروفات، مضيفًا: «التاريخ يشهد أن من غيّروا العالم وصنعوا نهضته كانوا من فقراءه، وليس من نخبه».
ما يهم المنتدى القتصادي العالمي في أي منظومة تعليمية هو مدى قدرتها على إنتاج خريج مؤهل
ومن جهته، علق الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، على مقال وزير التربية والتعليم المنشور عبر منصة المنتدى الاقتصادي العالمي، مؤكدًا أن فهم طبيعة المنتدى وأولوياته نقطة البداية الصحيحة لأي طرح موجه له.
وأوضح حجازي أن المنتدى الاقتصادي العالمي يهتم بالأساس بكل ما يرتبط بسوق العمل، وما يهمه في أي منظومة تعليمية هو مدى قدرتها على إنتاج خريج مؤهل قادر على الاندماج الفوري في سوق العمل المحلي والدولي، وهو المعيار الحاكم لأي تقييم أو اهتمام من جانبه.
وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم المصرية نجحت خلال السنوات الماضية في تحقيق تقدم حقيقي وملموس في ملف التعليم الفني، معتبرًا أن هذا المسار هو التطوير الأهم والأكثر تأثيرًا في منظومة التعليم المصري الحديثة، وأن مدارس التكنولوجيا التطبيقية والجامعات التكنولوجية تمثل نقلة نوعية مشرفة، وربطًا فعليًا بين التعليم وسوق العمل، بل إن حجم التطوير الذي شهده هذا القطاع فاق – من وجهة نظره – ما تحقق في التعليم العام، وهو ما جذب أنظار المنتدى ودفعه لطلب عرض التجربة المصرية.
اهتمام واضح بالتجربة المصرية
وأوضح حجازي أن طلب المنتدى الاقتصادي العالمي من وزير التربية والتعليم كتابة مقال لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى اهتمام واضح بالتجربة المصرية في ربط التعليم الفني بسوق العمل، والاستفادة من النماذج التطبيقية التي تم تنفيذها على أرض الواقع، مؤكدًا أن ما يعني المنتدى في المقام الأول: هل خريج هذا النظام التعليمي قادر على العمل؟ هل يمتلك المهارات المطلوبة للمصانع والشركات العالمية؟
تناول المنظومة التعليمية بشكل عام
وانتقد حجازي مضمون المقال المنشور، موضحًا أن الوزير تناول المنظومة التعليمية بشكل عام وتحدث عن عدة محاور إصلاحية مهمة، مثل تقليل كثافات الفصول، وتحديث المناهج، ومواجهة العجز في أعداد المعلمين، ورفع نسب حضور الطلاب، وهي خطوات إيجابية بلا شك، لكنه رأى أن المقال لم يركز بالشكل الكافي على نقاط التميز الحقيقية التي ينتظرها المنتدى الاقتصادي العالمي، وعلى رأسها التطورات الجذرية في التعليم الفني والتكنولوجي، وهي جوهر اهتمام المنتدى ونقطة الجذب الأساسية.
فرصة ذهبية لتسويق خريجي التعليم الفني والتكنولوجي المصريين عالميًا
وأكد حجازي أن الدعوة كانت تمثل فرصة ذهبية لتسويق خريجي التعليم الفني والتكنولوجي المصريين عالميًا، وفتح الباب أمام الاعتراف الدولي بقدراتهم ومهاراتهم، مشيرًا إلى أن التركيز على هذا الملف كان سيبعث برسالة واضحة للعالم مفادها أن مصر باتت تمتلك خريجًا فنيًا مواكبًا للتطورات العالمية، وقادرًا على العمل داخل كبرى الشركات والمصانع الدولية، وهو ما يعود بمكاسب مباشرة على الدولة المصرية، عبر جذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة تنافسية السوق المحلي.
وأشار الخبير التربوي إلى أن التعليم الفني والتكنولوجي قادر على رفع قيمة الخريج المصري في سوق العمل العالمي، سواء داخل مصر أو خارجها، وفتح فرص عمل نوعية أمام الشباب الراغبين في العمل بالخارج، مع وجود طلب حقيقي على مهاراتهم، مؤكدًا أن هذه المكاسب تحقق مصلحة الطالب، والمواطن، والدولة على حد سواء، وتضع التعليم المصري على خريطة العالم.
المقال تناول الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع
وتناول المقال الرسمي للوزير أيضًا الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع: استعادة حضور الطلاب، معالجة نقص المعلمين، تدريب المعلمين، تطوير المناهج، توسيع الجاهزية الرقمية، تطبيق البكالوريا المصرية الجديدة، وإنشاء قاعدة بيانات موثوقة تعكس الواقع التعليمي على مستوى المدارس والمعلمين والمتعلمين والبنية التحتية.
وأكد الوزير أن هذه التجربة توفر دروسًا يمكن أن تستفيد منها الدول التي تواجه تحديات مشابهة، وأن النظام التعليمي يتغير عندما تركز الإصلاحات على ما هو جوهري، وتُنفّذ بوتيرة مدروسة، مستندة إلى بيانات دقيقة.
واختتم الوزير مقاله بالتأكيد على أن مصر على استعداد لمشاركة قصتها، ليس كنموذج مكتمل، بل كدولة تسعى لتوسيع آفاق ما يمكن تحقيقه، مشيرًا إلى أن التعليم يصبح قوة قادرة على الارتقاء بالمجتمع عندما يكون المعلم حاضرًا، والطلاب مشاركين، والسياسات مبنية على بيانات واضحة، والتعلم ذا صلة بالمستقبل، لتصبح القصة المصرية اليوم قصة مستمرة في التشكل والتحول.