في لحظة إقليمية شديدة السيولة، تعيد بعض دول القرن الأفريقي ترتيب مواقعها وتحالفاتها تحت ضغط أزمات مركبة (سياسية، اقتصادية، أمنية، اجتماعية). غير أن المفارقة الأبرز تتمثل في تحرّك إثيوبيا إقليميًا بوصفها «فاعل استقرار»، بينما تعيش داخليًا واحدة من أكثر مراحل ضعفها منذ عقود. هذه المفارقة لا تظل حبيسة الحدود الإثيوبية، بل تمتد آثارها مباشرة إلى السودان، والبحر الأحمر، ومناطق التماس العَفَري الممتدة بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي. فبينما عادت أصوات السلاح إلى إقليم تيغراي، مؤكدةً أن اتفاقية بريتوريا الموقعة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في 2 نوفمبر 2022 لم تُنتج سلامًا مستدامًا، بل أوقفت المواجهة العسكرية – رسميًا – دون معالجة الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة، وتوازن السلطة بين المركز والأقاليم، ومستقبل الفيدرالية الإثنية.
ومع تقاطع أزمة تيجراي مع توترات أخرى في إقليمي أوروميا وأمهرا، وتصاعد الحراك في مناطق العَفَر، وتعدد بؤر الضغط بدل أزمة واحدة قابلة للاحتواء، تتحرك أديس أبابا في الاتجاه المعاكس إقليميًا، ساعيةً إلى ترميم علاقاتها وبناء اصطفافات جديدة مع بعض دول الجوار. في هذا السياق، جاء استقبال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في 31 يناير 2026، لرئيسي جيبوتي والصومال في مدينة «جيجيغا». ولم يكن الحدث بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، يعكس إدراكًا إثيوبيًا متزايدًا بأن إدارة الأزمات الداخلية لم تعد منفصلة عن إعادة ترتيب المشهد الإقليمي.
هذه المفارقة – تصعيد داخلي مقابل انفتاح خارجي – تلخص بدقة طبيعة المرحلة التي تمر بها إثيوبيا والقرن الأفريقي معًا.
*لحظة ارتباك.. سلام مؤجَّل وانفتاح خارجي*
بعد أكثر من عامين على اتفاق بريتوريا، لا يبدو أن الصراع في تيغراي قد انتقل من مربع الحرب إلى مربع السياسة، بل جرى تجميده مؤقتًا عند حدود هشة؛ فعودة الاشتباكات العسكرية المحدودة، واستخدام الطائرات المسيّرة، وتذبذب حركة الطيران المدني، جميعها مؤشرات على أن جذور الأزمة – المرتبطة بنموذج الفيدرالية، وتقاسم السلطة، وحدود ومستقبل الأقاليم – ما تزال دون معالجة. وتكمن خطورة أزمة تيغراي في أنها لم تعد معزولة، بل باتت تتقاطع مع توترات موازية في أقاليم أخرى، ما يضع الدولة الإثيوبية أمام اختبار وجودي يتعلق بنموذج الحكم ذاته، وليس بمجرد تمرد إقليمي محدود.
في مقابل هذا التصدّع الداخلي، بدأت إثيوبيا تحرّكًا إقليميًا بخطاب مختلف، يتحدث عن الشراكات، والتنسيق، والاستقرار المشترك، في محاولة لموازنة تنافر المصالح، وتباين المواقف، وحالة التوتر الشامل. ويحمل اختيار جيجيغا – عاصمة الإقليم الصومالي – مسرحًا للقاء قادة جيبوتي والصومال رسالة واضحة؛ فإثيوبيا تسعى إلى تقديم نفسها كجسر إقليمي، لا كدولة مأزومة من الداخل.
غير أن المفارقة هنا أن هذا الانفتاح الخارجي يجري بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر مراحلها قابلية للانهيار. فالدول التي تسعى أديس أبابا للتقارب معها تراقب الوضع الإثيوبي بقلق، مدركةً أن أي انفجار واسع في تيغراي ستكون له ارتدادات مباشرة على أمنها وحدودها واقتصادها.
**إدارة الأزمات المترابطة**
تعكس التحركات الإثيوبية الراهنة نمطًا جديدًا من الاصطفافات في القرن الأفريقي، لا يقوم على تحالفات صلبة، بقدر ما يعتمد على تفاهمات مرنة ومؤقتة. فبعد توترات مع الصومال على خلفية تاريخية معقدة، كان آخرها ملف «صومالي لاند»، وتعقّد العلاقة مجددًا مع إريتريا، تميل إثيوبيا إلى سياسة «تقليل الخصوم» بدلًا من بناء محاور حادة. غير أن هذه الاصطفافات تظل محكومة بسؤال جوهري: هل تعبّر عن قوة دبلوماسية متجددة، أم عن محاولة لاحتواء أزمة داخلية عبر توسيع الدائرة الخارجية؟
يزداد المشهد تعقيدًا في ظل تداخل غير مسبوق لأزمات الإقليم، المتمثلة في الحرب في السودان، وضعف الدولة الصومالية، والتنافس الدولي على البحر الأحمر، والضغوط الاقتصادية العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يصبح استقرار إثيوبيا عنصرًا مركزيًا في معادلة الإقليم، إذ يمكن لأي خلل داخلي فيها أن يتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية واسعة.
*التداعيات على السودان*
بالنسبة للسودان، لا تأتي هذه التطورات في فراغ. فالدولة السودانية نفسها غارقة في حرب وانقسام، ما يجعل أي اضطراب إثيوبي عامل تهديد مباشرًا للأمن الحدودي في الشرق والشمال الشرقي. واستمرار تدهور الوضع في تيغراي، واحتمالات تمدده نحو أقاليم أخرى، يعني زيادة مخاطر تدفق اللاجئين إلى شرق السودان، في وقت يعجز فيه البلد عن استيعاب موجات نزوح جديدة. كما يعني ذلك تنشيط اقتصادات الحرب والتهريب عبر الحدود، بما يشمل تهريب السلاح والذهب والبشر، وارتفاع احتمالات استخدام الحدود السودانية كمساحة خلفية لصراعات غير مباشرة، في ظل غياب سلطة مركزية فاعلة، أو احتمال تمدد الحرب السودانية نفسها إلى المناطق الحدودية، مثل النيل الأزرق.
وهنا تتجلى مفارقة ثانية بوضوح: استقرار السودان بات مرتبطًا بإثيوبيا غير المستقرة، فيما يحتاج استقرار إثيوبيا بدوره إلى محيط إقليمي متماسك، وهو ما يفتقده السودان حاليًا.
*البحر الأحمر والحراك العَفَري*
لا تنفصل إعادة الاصطفافات الإثيوبية عن البحر الأحمر، الذي تحوّل إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح. فالسعي لتعزيز الحضور الإثيوبي في معادلات البحر الأحمر – عبر جيبوتي أو الصومال – يجري بينما تتآكل القدرة الداخلية على فرض استقرار طويل الأمد. وأي انفجار واسع في الداخل الإثيوبي سيضع الموانئ الحيوية في المنطقة تحت ضغط أمني غير مباشر، ويجعل طرق التجارة الدولية عرضة لاضطرابات برية ممتدة من العمق الإثيوبي إلى الساحل، بما يفرض تحديات إضافية على دول الساحل الغربي للبحر الأحمر، وعلى رأسها السودان وإريتريا وجيبوتي، في أمنها البري والبحري معًا. وبذلك يصبح البحر الأحمر رهينة لأزمات برية غير محسومة، لا مجرد مسرح تنافس بحري.
في قلب هذه التفاعلات يبرز الحراك العَفَري بوصفه عاملًا غالبًا ما يُهمَل في التحليل، رغم موقعه الجيوسياسي الحاسم. فالعَفَر يتمركزون على امتداد ثلاث دول – إثيوبيا، إريتريا، وجيبوتي – في منطقة تتحكم في عقد طرق برية وبحرية حيوية. ويحمل تصاعد مطالبهم بالتمثيل والحقوق، وصولًا إلى تقرير المصير، وتداخلها مع صراعات المركز الإثيوبي، مخاطر متعددة، من بينها احتمال تحوّل مناطق العَفَر إلى حزام توتر عابر للحدود، وتعقيد العلاقات الإثيوبية–الإريترية، وتهديد أمن جيبوتي، التي تمثل الشريان التجاري الأساسي لإثيوبيا، وتعاني بدورها من توترات داخلية بين مكوناتها الاجتماعية (العَفَر والعيسى).
وهنا تتجلى مفارقة ثالثة: تسعى إثيوبيا إلى طمأنة جوارها الساحلي، بينما تقع أهم ممراتها الاستراتيجية فوق أرض تشهد حراكًا اجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا متصاعدًا.
*احتمال إعادة إنتاج الأزمات*
ما يجري في القرن الأفريقي ليس إعادة اصطفاف تقليدية، بل محاولة لإدارة الضعف عبر توسيع الدائرة الإقليمية. غير أن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر جدية، إذ إن غياب تسويات داخلية حقيقية يحوّل التحالفات الخارجية إلى مسكنات مؤقتة. وبالنسبة للسودان، والصومال، وجيبوتي، ومناطق العَفَر، والبحر الأحمر، فإن استمرار هذه المفارقة يعني بقاء الإقليم في حالة توازن هش، قابل للانهيار مع أي شرارة داخلية جديدة في إثيوبيا، التي تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تحويل انفتاحها الإقليمي إلى رافعة لحل داخلي شامل، أو تتحول إعادة الاصطفافات إلى عامل يزيد من تعقيد أزمات البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأسره. وفي كلتا الحالتين، لم يعد الصراع الإثيوبي شأنًا داخليًا، بل مسألة إقليمية بامتياز، تتقاطع فيها الخرائط، والهويات، والممرات، ومصائر الدول.
ويُرجَّح، في المدى القريب، أن تستمر أديس أبابا في سياسة إدارة التناقض، عبر ضبط الصراع الداخلي دون حسمه، مقابل توسيع شبكة العلاقات الإقليمية لاحتواء تداعياته. غير أن هذه المعادلة تظل مؤقتة، إذ لا يمكن لإعادة الاصطفاف الخارجي أن تعوّض غياب تسوية سياسية شاملة في الداخل.
وعليه، يقف القرن الأفريقي أمام مشهد تناقضي بامتياز؛ دول تعيد ترتيب مواقعها بحثًا عن الاستقرار، فيما تتآكل أسس هذا الاستقرار من الداخل، وتقف إثيوبيا في قلب هذه المفارقات، بين طموح قيادة إقليمية، وواقع داخلي يفرض عليها إعادة بناء عقدها الوطني أولًا.