رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

قبل أن يلملم القرن الماضي سنواته الأخيرة، كانت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تعلن عن إقامة أول نموذج محاكاة لمجلس الشعب المصري. كنت من المحظوظين الذين أسسوا هذا النموذج، وكان لي حظ الجمع بين رئاسة لجنته المنظمة، ولعب دور رئيس مجلس الشعب في دورته الثالثة.

 

كانت التغطية الصحفية لهذا الحدث ملفتة، واهتم رئيس مجلس الشعب حينها، الدكتور فتحي سرور، رحمه الله، بافتتاح الحدث بنفسه، واستقبال وفد الطلاب في مكتبه، وتوقيع عشرات الشهادات. فقد تمتعت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية آنذاك برونقٍ أخّاذ، اقتبس بريقه من حضور عميدها المتميز الأستاذ الدكتور عليّ الدين هلال، متعه الله بالصحة، ومن مناخٍ أكاديمي كان يرى في السياسة علمًا وممارسة، لا مجرد اصطفافٍ أو ترديد شعارات.

 

لم تكن المنافسة على الالتحاق بالنموذج عادية، بل أُقيمت لها مراحل من التصفية والاختيار، عكست وعيًا مبكرًا بقيمة التمثيل النيابي وأدواره. والنخبة المنتقاة خاضت بدورها منافسة أخرى على الأدوار داخل المجلس، خاصة مواقع التأثير وصناعة القرار داخل اللجان النوعية ومكتب المجلس.

 

ولأن معظم الطلاب كانوا مأخوذين بلعب أدوار المعارضة، ولا سيما بعد توزيع مختلف مناصب اللجان، فقد لاحظت أن هذا التهافت لم يكن سياسيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن فطرة بشرية ترى في المعارض، خاصة على المنابر، مدافعًا عن الحق المسلوب ومال الشعب المنهوب، وصوتًا أعلى من ضجيج السلطة. أما أدوار الموالاة، المرتبطة حينها بالحزب الوطني، فقد بدت شاغرة وبائسة، خالية من الكفاءات الطلابية، نتيجة هذا العزوف شبه الجماعي.

 

هنا ابتكرتُ حيلة في برنامج الإعداد، وأثناء محاضرات النواب التجهيزية: أن يقوم ممثل الحكومة بانتقاد كلمات ممثلي المعارضة، بأسلوب ساخر وبالحدة ذاتها التي تبنتها المعارضة في هجومها على الحكومة. كانت الفكرة أن تُنزَع عن الموالاة صفة الدفاع الآلي، وأن تُجبَر على الفهم قبل الرد. نجحت الحيلة، وازدادت الجلسات سخونة وحيوية، وأصبح على أعضاء الموالاة مذاكرة كلمات نواب المعارضة في الجلسات التحضيرية، وتحليلها، وتفنيدها بالحجة لا بالإنكار.

وكان الدرس غير المباشر هنا أن الموالاة الجيدة لا تقل صعوبة عن المعارضة الذكية، وأن الدفاع عن السياسات العامة يتطلب معرفة أعمق، وجهدًا أكبر، وقدرة أعلى على المحاجاة وربط الأهداف بالنتائج، لا مجرد الاكتفاء بشرعية الموقع.

النفس البشرية جُبلت على حب المخالفة والاعتراض، خاصة في سن الشباب، والمعارضة متى كانت متعلمة ومثقفة، كانت مرافعاتها ممتعة للجماهير، محفزة للعقل، وموسعة لأفق النقاش العام. أما الموالاة، فلا تكتسب شرعيتها من القرب من السلطة، بل من قدرتها على تفسير خياراتها، والاعتراف بأخطائها، والدفاع العقلاني عن الممكن لا عن المثالي المتوهم.

نواب النموذج كانوا يميزون جيدًا بين أدوات الرقابة البرلمانية، إذ كان إعدادهم يتم على أيدي مختصين من قلب المجلس، أمثال الدكتورة العظيمة الراحلة عزة وهبي، والدكتورة وفاء عبد الإله. أما الإعداد في الملفات المختلفة، فكان يتم على أيدي قامات أكاديمية من طراز الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي كانت له محاضرة لا نظير لها في العلاقات العربية–الإسرائيلية، زرعت في أذهان الطلاب معنى أن السياسة معرفة قبل أن تكون موقفًا.

كما تمتع نواب النموذج بقدرات خطابية عملنا جميعًا، كلجنة منظمة، على صقلها وتوجيهها، إيمانًا بأن الكلمة في المجال العام ليست انفعالًا عابرًا، بل أداة تأثير ومسؤولية.

في الوقت الراهن، تخلو الساحة – داخل البرلمان وخارجه – من لاعبي دور الموالاة عن جدارة، ممن يملكون القدرة على المحاجاة، والتفنيد، وامتلاك ناصية الحوار العام. موالاة اليوم إما لاهثون خلف شعبوية لفظها الجمهور، أو خطاب بارد تقني، يخلو من الانفعال المشروع، ومن التفاعل الحقيقي مع أطروحات المعارضة ومداخلاتهم، على مختلف المنصات وفي شتى المحافل.

هذا الأداء الباهت لا يضعف الموالاة وحدها، بل يُفسد المجال العام كله، ويزعج الجمهور، ويدفع مزيدًا من الشباب إلى تقمص دور المعارضة لكل شيء وأي شيء، حتى دون مسوغ، لأن الفراغ لا يبقى فراغًا، بل يُملأ غالبًا بالاحتجاج.

موالاة اليوم موالاة بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء