اغتيال سيف القذافي.. صدمة كبرى تعيد رسم خريطة المشروع الجماهيري|تقرير
شكل اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي منعطفا حادا في مسار ما تبقى من مشروع سياسي ارتبط باسمه، وأحدث ارتباك واسع داخل صفوف أنصاره، في وقت تعيش فيه ليبيا أصلا حالة معقدة من الانقسام السياسي والتنازع على الشرعية.
فقد جاء هذا الحدث ليضع حدا فعليا لآمال كانت تراهن على عودته إلى المشهد بوصفه الوريث السياسي المحتمل للنظام السابق، والقادر على إعادة ترتيب موازين القوى.
يمر بحالة من الغموض والتراجع
وقبل هذا الاغتيال، كان مشروع سيف الإسلام يمر بحالة من الغموض والتراجع، وسط انقسامات داخل معسكر أنصار النظام الليبي السابق، ومحاولات متكررة من المدافعين عنه لنفي فكرة أفول دوره النهائي بعد سقوط "الرمز" عام 2011.
ورغم الإصرار على رفض إقصاء التيار الجماهيري من المعادلة الوطنية، فإن الواقع السياسي كان يشير إلى تآكل تأثيره التدريجي، في ظل صعود قوى جديدة وتكريس نفوذ الميليشيات.

تفكك العائلة سياسيا واجتماعيا
وتعود جذور هذا التشتت إلى السنوات التي أعقبت ثورة فبراير، حين قتل عدد من أبناء العقيد الراحل، وهم المعتصم بالله وخميس وسيف العرب القذافي، إضافة إلى مقتل معمر القذافي نفسه، ما أدى إلى تفكك العائلة سياسيا واجتماعيا.
ولم يبق من بين الإخوة من أبدى رغبة صريحة في لعب دور سياسي سوى سيف الإسلام، الذي حاول، من موقع بعيد، الحفاظ على خيط من التواصل مع أنصاره، معتمدا على تيار "الخضر" وأنصار "سبتمبر" لإحياء حضوره، خصوصا عبر محاولة الترشح للانتخابات الرئاسية قبل خمس سنوات.
ضربة قاصمة لطموحات أنصاره
ومع الإعلان عن وفاته، وتوقيع شهادة الوفاة، والاستعداد لدفنه في مدينة بني وليد، بدا واضحا أن هذا الحدث لا يمثل مجرد خسارة شخصية، بل ضربة قاصمة لطموحات أنصاره في إحداث تحول فعلي في موازين القوى دون وجود نجل الزعيم الراحل. فغيابه يأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتزايد فيه سطوة السلاح، ويتعمق الانقسام بين المؤسسات، وتتراجع فرص التوافق الوطني.
هشاشة الوضع الأمني وتصفية الحسابات
وكان سيف الإسلام، البالغ من العمر 53 عامًا، ينظر إليه في مراحل سابقة باعتباره الخليفة السياسي المحتمل لوالده، إلا أنه عاش في السنوات الأخيرة حالة من العزلة في مدينة الزنتان، تحت حماية من قبل إحدى الميليشيات المحلية.
ورغم هذه الظروف، لم يكن ذلك كافيا لمنع عملية الاغتيال التي وقعت يوم الثلاثاء الماضي، لتفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول هشاشة الوضع الأمني وتصفية الحسابات السياسية.

مشروع وطني متكامل
في المقابل، أظهر أنصار سيف الإسلام موقفا متصلبا، رافضين ما وصفوه بمحاولات "تفكيك صفوفهم" عبر استهداف قيادات النظام السابق المتبقين. وأكدوا أن هذه "الحادثة الجبانة"، على حد تعبيرهم، لن تضعف إرادتهم في التغيير، متوعدين باللجوء إلى الشارع كوسيلة ضغط لمنع إقصائهم من المشهد السياسي.
وسارع أنصار النظام الجماهيري إلى إعلان تمسكهم بما أسموه "ميثاق الدم"، مؤكدين استمرارهم في مشروع "استعادة السيادة الليبية". وجاء ذلك في بيان مطول وصفوه بـ"الهام للغاية"، شددوا فيه على أن تحركهم لا ينبع من مجرد الحنين إلى الماضي، بل يستند إلى ما اعتبروه مشروع وطني متكامل، يقوم على قناعات راسخة بهويتهم السياسية والاجتماعية والثقافية. وقدموا أنفسهم بوصفهم "الكتلة الوطنية الصلبة" الرافضة لمزيد من التبعية والارتهان للخارج.

حضوره يبقى راسخ في الوعي الجمعي
وأضاف البيان أن نضالهم يأتي ضمن "مسار كفاح وطني ممتد" منذ عام 2011، تكبدوا خلاله، بحسب قولهم، أثمان باهظة وقدموا قوافل من الشهداء، معتبرين أن هذه المسيرة "توجت باستشهاد سيف الإسلام معمر القذافي"، الذي وصفوه بـ"الرمز الوطني الذي اغتيل في محاولة لإجهاض الحلم الوطني".
وأكدوا أن استهداف الرموز لن يؤدي إلا إلى مزيد من التماسك، وأن "الفكرة لا تموت باغتيال أصحابها"، فالقائد قد يغتال جسديا، لكن حضوره يبقى راسخ في الوعي الجمعي.
تعدد المشاريع السياسية في ليبيا ظاهرة صحية
في المقابل، دعا عضو مجلس الدولة الليبي سعد بن شرادة، في تصريحات صحفية، إلى التعاطي العقلاني مع هذا الحدث، موجها رسالة مفتوحة إلى أنصار مشروع سيف الإسلام.
واعتبر أن تعدد المشاريع السياسية في ليبيا ظاهرة صحية، وجزء أصيل من أي ممارسة ديمقراطية حقيقية، مشددًا على أن الطريق إلى الاستقرار لا يمكن أن يتجاوز أسئلة جوهرية تتعلق بالإدارة والمسؤولية والمحاسبة.
وأكد بن شرادة أن ليبيا لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الصراع، ولا إلى استبدال فوضى بأخرى، بل إلى مشروع وطني جامع يضع قيمة الإنسان الليبي فوق أي اسم أو إرث سياسي.
استخدمته كورقة للمساومة السياسية
وأضاف، مخاطبا أتباع النظام السابق، أن من كان مقتنعا بمشروع سيف الإسلام، فإن رحيله لا يعني نهاية المشروع، بل يفرض عليهم الاستمرار به ضمن إطار التنافس السلمي مع بقية المشاريع الوطنية.
وفي هذا السياق، يرى بعض المقربين سابقا من سيف الإسلام أن هناك أطراف لم تكن تؤمن بالمشروع من الأساس، بل استخدمته كورقة للمساومة السياسية مع قوى أخرى، متوقعين استمرار هذه السلوكيات حتى بعد اغتياله، الأمر الذي يستوجب قدرا عاليا من الحذر والوعي داخل صفوف أنصاره.

محطة مفصلية أعادت خلط الأوراق
وهكذا، لا يبدو اغتيال سيف الإسلام مجرد حدث أمني عابر، بل محطة مفصلية أعادت خلط الأوراق، وطرحت أسئلة عميقة حول مستقبل التيار الجماهيري، وقدرته على التحول من الارتباط بشخص إلى بناء مشروع سياسي قابل للحياة في ليبيا ما بعد الصراع.

