لا شك أن الأزمة الإيرانية تُشكّل إحدى الركائز الأساسية لإرساء قواعد الأمن والاستقرار في المنطقة، ففي حال فشل الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وإيجاد حلول سلمية من خلال الدبلوماسية والحوار، للإسهام في الحد من التوتر والتهدئة على أسس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة لجميع الأطراف، وبما يدعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وذلك عقب تصريحات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بضرب إيران إذا لم توافق على التفاوض بشأن اتفاق نووي مُجدَّد، وتسارع التحركات الدبلوماسية الإقليمية التي تقودها الدولة المصرية بالتنسيق مع تركيا وقطر وسلطنة عُمان، لبحث خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، وسط توقعات بصعوبة منع احتمالات مواجهة عسكرية، رغم الإعلان عن رغبة إيران في الانخراط الجاد في التفاوض حول برنامجها النووي، مع التمسك بعدم توسيع التفاوض ليشمل قدراتها الصاروخية أو علاقاتها الإقليمية، والمطالبة بالحصول على ضمانات تضمن عدم توجيه ضربة أمريكية أثناء التفاوض أو في أعقاب التوصل إلى اتفاق، وتصريحات للرئيس ترامب حول التواصل المباشر مع إيران لتحديد موعد نهائي للتوصل إلى اتفاق قبل أي عمل عسكري ضد إيران إذا لم توافق على التفاوض بالشروط الأمريكية التي تختلف عن اتفاق 2015.
كما يأتي ذلك بالتزامن مع الأزمة الداخلية التي تواجهها الحكومة الإيرانية، والاحتجاجات الموسعة نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة والأسعار، ودعوات للتغيير السياسي، وإعادة هيكلة شاملة للسياسات الاقتصادية، وتنويع الموارد بعيدًا عن الاعتماد على النفط والغاز.
وقيام الولايات المتحدة بحشد عسكري يُعد الأكبر منذ الحرب على العراق، تضمن حاملة الطائرات "إبراهام لينكولن" شمال بحر العرب، ومجموعات قتالية تضم ثلاث مدمرات صواريخ، ودعمًا جويًا بمقاتلات متقدمة من طراز "F-35C" ومقاتلات "سوبر هورنت"، وطائرة الحرب الإلكترونية "غراولر"، إضافة إلى ثلاث مدمرات أخرى تعمل منفصلة عن مجموعة الحاملات الضاربة، ذات قدرات هجومية تحمل صواريخ الهجوم البري كروز "توماهوك"، وطائرات الاستطلاع والمسيّرات الأمريكية التي تنفذ طلعات مراقبة منتظمة على مضيق هرمز.
علاوة على إعادة تمركز ثماني طائرات تزويد بالوقود في قاعدة "مورون" الجوية جنوب إسبانيا، ونشر أنظمة دفاع جوي إضافية مضادة للصواريخ الباليستية "ثاد"، إلى جانب صواريخ "باتريوت" في قاعدة العديد بقطر.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة كانت تتعامل مع الأزمة الإيرانية كأزمة قابلة للاحتواء، لكنها أصبحت تمثل خطرًا استراتيجيًا يهدد حلفاءها في المنطقة، وأن الحشد العسكري الكبير يهدف إلى استعراض القدرة على الانتشار في الشرق الأوسط، وزيادة الضغط على النظام الإيراني باحتمالات تصعيد عسكري حال رفض إيران التفاوض.
وتتمثل الشروط الأمريكية للتفاوض في خمسة ملفات رئيسية، وهي:
الملف النووي، بحيث يختلف التفاوض عن اتفاق 2015، ويشمل تفكيكًا فعليًا لقدرة إيران على التحول السريع إلى دولة نووية، ووقف عمليات التخصيب عند مستوى منخفض بشكل دائم، والتخلص الكامل من المخزون عالي التخصيب، والقبول بنظام تفتيش موسع ومفتوح زمنيًا لا يخضع لأي قيود سياسية أو تفاوضية.
البرنامج الصاروخي الإيراني، خاصة الصواريخ الباليستية متوسطة وبعيدة المدى، وفرض قيود ملزمة على تطويرها، مع الاكتفاء بالمنظومات قصيرة المدى حتى لا تهدد حلفاء واشنطن.
النفوذ الإيراني الإقليمي وشبكة الوكلاء التي تديرها طهران في المنطقة (العراق، لبنان، اليمن)، واعتبارها أداة لتقويض الاستقرار الإقليمي، والمطالبة بوقف الدعم العسكري واللوجستي، والقبول بمبدأ حصرية السلاح بيد الدول الوطنية.
العلاقات الدولية، خاصة مع روسيا والصين، والتعاون في مجالات التسليح والتكنولوجيا الحساسة، باعتبارها جزءًا من صراع التسلح العالمي، والمطلوب وضع حدود واضحة لتفادي البعد العسكري.
تهديد الملاحة الدولية في الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر، ووضعها ضمن المعايير التي تضعها واشنطن لتحييد العمل العسكري، مع التزام صريح بعدم استهداف الممرات البحرية.
وتشير التوقعات إلى استحالة تصور أن نظام ولاية الفقيه "حكم الملالي" في إيران سيقبل بشروط إدارة الرئيس ترامب، باعتبارها استسلامًا كاملًا للنظام الإيراني.
وقد قامت إيران باستعدادات لمواجهة أي هجوم محتمل، من خلال إعلان الحرس الثوري تنفيذ مناورات مشتركة بالذخيرة الحية في الخليج وبحر عُمان ومضيق هرمز، مع تحذيرات القيادة المركزية الأمريكية بضرورة التنفيذ المنضبط والهادئ.
وفي حال فشل التفاوض، يُتوقع تنفيذ ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران تكون "دراماتيكية"، ومثيرة لجذب وسائل الإعلام، تستهدف منشآت نووية وبُنى تحتية عسكرية حساسة، مع تجنب استهداف مؤسسات الدولة أو إسقاط النظام، لعدم وجود بديل يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة.
وتتمثل السيناريوهات المحتملة للضربة العسكرية في:
ضربة أمريكية/إسرائيلية دقيقة داخل إيران مع تفادي إسقاط النظام.
تنفيذ ضربة استباقية تقوم بها إسرائيل، وهو السيناريو الأخطر، لكونه يفتح الباب أمام حرب متعددة الجبهات.
اندلاع حرب إقليمية في حال فشل التفاوض، واستخدام إيران جميع أذرعها في دول المنطقة، خاصة في لبنان والعراق واليمن.
أما أبرز الانعكاسات المحتملة، في حال حدوث متغير يؤدي إلى إفشال التفاوض واستمرار حالة انعدام الثقة مع القيادة الإيرانية، وتنفيذ ضربة عسكرية، فتتمثل في: ارتفاع فوري في أسعار النفط والطاقة، وتهديد الملاحة البحرية في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، واستهداف غير مباشر لدول الجوار عبر هجمات صاروخية ومسيّرات، وتصاعد التوترات الإقليمية وصولًا إلى حرب موسعة، تتحمل تكلفتها الدول العربية، خاصة المستوردة للنفط.
أخيرًا، فإن المساعي الجارية لخفض التصعيد والقبول بالتسوية الدبلوماسية، تأتي إدراكًا من دول الوساطة الإقليمية، التي تقودها القاهرة، بأن الحل السياسي يُعد أحد مسارات احتواء التوتر، وصياغة أرضية تفاوضية تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وما يترتب عليها من تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي.