من الأهرامات إلى أبراج شانشي.. «ضوء» شاب مصري يعيد الحياة لآثار الصين
في قاعة مظلمة بمدينة تاييوان الصينية، يمسك الشاب المصري هشام رمزي بمصباحه، لا ليبحث عن طريقه، بل ليفجر ثورة من الألوان، بمجرد أن يلامس الضوء جدارية "تشاو يوان تو"، تبدو الآلهة المرسومة منذ 700 عام وكأنها تستيقظ من غفوتها، تبتسم وتتحرك في فضاء رقمي مبهر، لم تكن هذه اللوحة في قصر "يونغله" العتيق، بل كانت نسخة رقمية فائقة الدقة من صنع يد الشاب المصري، جسدت كيف تطوع الصين التكنولوجيا لخدمة التاريخ.
سحر "وو كونغ" والعبور إلى التاريخ

تروي وكالة “شينخوا” الصينية قصة هشام، طالب القانون الدولي الذي جاء من أرض الفراعنة قبل ثلاث سنوات، وجد نفسه مسحوراً بشانشي، المقاطعة التي تُلقب بـ “متحف الآثار المفتوح”، لكن في معرض الفنون الرقمية الأخير، لم يكن هشام مجرد زائر، بل كان مسافراً عبر الزمن.
داخل ركن "الأسطورة السوداء: وو كونغ" – اللعبة الإلكترونية التي غزت العالم – اشترك هشام كيف تحولت معالم شانشي الأثرية، مثل معبد "شيوانكونغ" المعلق وكهوف "يونقانغ"، إلى عوالم افتراضية بفضل تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد وظلال الضوء. يقول هشام وعيناه تشعان بالدهشة: "في لحظة أكون في العصر الحديث، وفي اللحظة التالية أجد نفسي في أعماق التاريخ الصيني".
برج يينغشيان.. عبقرية الخشب تلتقي بعظمة الحجارة
بينما يقف أمام نموذج دقيق لبرج "يينغشيان" الخشبي – أطول برج خشبي في العالم – لم يستطع هشام إلا أن يستحضر صورة أهرامات الجيزة. يقول: "هذا البرج يذكرني بالأهرامات؛ كلاهما شُيّد بحكمة القدماء وتحديا الزمن". هذا النموذج الذي يبلغ ارتفاعه الأصلي 70 متراً، لم يكن لينتقل إلى قاعات العرض لولا جهود جيش من التقنيين الصينيين مثل "جيا تشي"، الذي يمثل الجيل الجديد من حماة الآثار. جيا، الذي شهد تحول المهنة من الرسم اليدوي المضني إلى المسح بالليزر، يوضح كيف باتت المهمة التي تستغرق أسبوعين تُنجز في ثلاثة أيام فقط، بدقة لا تترك مجالاً للخطأ.
أرقام تتحدث.. 2.5 بيتابايت من التاريخ
لا تكتفي الصين بحفظ الآثار في المتاحف، بل تحولها إلى "بيانات حية". لقد نجح فريق جيا حتى الآن في أرشفة 1500 مبنى أثري، 1200 تمثال ملون، 15 ألف متر مربع من الجداريات.
يعد هذا الأرشيف العملاق، الذي وصل حجم بياناته إلى 2.5 بيتابايت، هو الذي منح لعبة "وو كونغ" واقعيتها المذهلة، وهو الذي يضمن بقاء هذه الكنوز للأجيال القادمة حتى لو نالت منها عوامل الزمن.
رسالة من المستقبل: الماضي لا يموت
اختتم هشام رحلته برؤية طموحة؛ فلم يعد يرى في شانشي مجرد أحجار وأخشاب قديمة، بل مختبراً عالمياً يقود الماضي نحو المستقبل. وبينما كان يغادر المعرض، عبّر عن أمنية تلامس جذوره: تعزيز التعاون بين مصر والصين، القوتين الحضاريتين، لاستخدام هذه التكنولوجيا في حماية كنوز النيل كما تُحمى كنوز النهر الأصفر.
بالنسبة لهشام، التكنولوجيا ليست مجرد أجهزة صماء، بل هي الجسر الذي يجعل أجدادنا يتحدثون إلينا بلغة العصر.