رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يسري الجندي.. كاتب المسرح الشعبي الذي عبر بالتراث إلى وجدان الدراما

يسري الجندي
يسري الجندي

تحل ذكرى ميلاد الكاتب المسرحي الكبير يسري الجندي، أحد أبرز الأصوات الإبداعية التي شكلت وجدان المسرح والدراما في مصر، والذي ظل حاضرًا بأعماله حتى بعد رحيله، بما تركه من نصوص استلهمت التراث الشعبي وأعادت صياغته برؤية معاصرة تمس هموم الإنسان وقضايا المجتمع، لم يكن الجندي كاتبًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل صاحب مشروع فني متكامل، استطاع من خلاله أن ينقل الحكاية الشعبية من فضائها الشفاهي إلى نصوص درامية نابضة بالحياة، دخلت بيوت المصريين وقلوبهم.

البدايات الأولى

ولد يسري الجندي في الخامس من فبراير عام 1942 بمحافظة دمياط، ومنذ أواخر ستينيات القرن الماضي بدأ حضوره الفعلي على الساحة المسرحية، مقدمًا نصوصًا كشفت عن وعي مبكر بطبيعة المسرح العربي واحتياجه إلى لغة خاصة تنبع من التراث وتتحاور مع الواقع المعاصر.

جاءت مسرحيته الأولى «ما حدث لليهودي التائه مع المسيح المنتظر» لتعلن عن كاتب يمتلك جرأة فكرية ورؤية نقدية، سرعان ما تطورت وتعمقت عبر أعمال لاحقة رسخت اسمه بين كبار كتاب المسرح في مصر والعالم العربي.

مشروع مسرحي

شكّلت تجربة يسري الجندي المسرحية محاولة جادة لتأصيل شكل مسرحي عربي، يستلهم الموروث الشعبي والأساطير والحكايات المتداولة، دون الوقوع في فخ النقل أو التكرار، اعتمد الجندي على البناء الملحمي، وطرح من خلال نصوصه قضايا كبرى، في مقدمتها العدالة والحرية، والصراع بين الفرد والنظام، حيث قدّم الإنسان البسيط في مواجهة سلطة قاهرة، مؤكدًا أن الخلاص لا يتحقق عبر البطولة الفردية وحدها، بل من خلال الوعي الجمعي والثورة الجماعية.

المسرح والدولة

في عام 1970 التحق يسري الجندي بوزارة الثقافة، وتدرج في العديد من المناصب الإدارية، فترأس عددًا من المسارح والفرق التابعة للثقافة الجماهيرية والهيئة العامة لقصور الثقافة.

ورغم انشغاله بالعمل المؤسسي، لم يتخلَّ عن مشروعه الإبداعي، بل أسهم وجوده داخل المؤسسات الثقافية في دعم الحركة المسرحية والوصول بها إلى قطاعات أوسع من الجمهور داخل مصر وخارجها.

الدراما التلفزيونية

لم يتوقف إبداع يسري الجندي عند خشبة المسرح، بل انتقل إلى الدراما التلفزيونية، حيث حقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا، خاصة خلال تسعينيات القرن الماضي.

قدم أعمالًا بارزة استلهمت التاريخ والأسطورة والوجدان الشعبي، من بينها «علي الزيبق»، الذي تولى معالجته الدرامية وحواره، و«حارة المواردي»، فضلًا عن أعمال أخرى رسخت مكانته كأحد أهم كتاب الدراما التلفزيونية في تلك الفترة.

عالم الحكاية

اعتمد الجندي في نصوصه على الحكايات الشعبية التي تنطلق من الواقع، لكنها تسبح في فضاء الفانتازيا، لتجسيد أحلام البسطاء وطموحاتهم خارج الإطار الزمني المباشر، جاءت لغته قريبة من الناس، وشخصياته نابضة بالحياة، تحمل ملامح المجتمع المصري وتناقضاته، وهو ما منح أعماله قدرة خاصة على التواصل والاستمرار.

قدمت على خشبة المسرح العديد من أعمال يسري الجندي، من بينها: «بغل البلدية»، «حكاية جحا مع الواد قلة»، «علي الزيبق»، «حكاوي الزمان»، إضافة إلى نصه الشهير الذي عُرض بأسماء متعددة عبر السنوات، منها «القضية 88» و«السيرك الدولي» و«القضية 2007»، وظل مثار جدل فكري وفني في كل مرة يُعاد تقديمه.

الجوائز والتكريم

حصد يسري الجندي عددًا كبيرًا من الجوائز، من أبرزها جائزة الدولة التشجيعية في المسرح عام 1981، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، إلى جانب جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2005 ، كما نال جوائز متعددة عن أعماله الدرامية في مهرجانات التليفزيون، تأكيدًا لقيمة إبداعه وتأثيره في المشهد الفني.

أحيل يسري الجندي إلى المعاش الوظيفي عام 2002، لكنه لم يغادر ساحة الإبداع، وظل حاضرًا بنصوصه وأفكاره، حتى رحيله في عام 2022.

ويبقى اسمه اليوم علامة فارقة في تاريخ المسرح والدراما المصرية، وصوتًا إبداعيًا آمن بأن التراث ليس ماضيًا ساكنًا، بل طاقة حية قادرة على طرح أسئلة الحاضر وصياغة المستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء